
بن غفير يتمادى… وليس وحده
أسامة عثمان
حرير- أثارت صور تفاخُر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في إهانة نشطاء “أسطول الصمود” غضبَ قادة وسياسيين من دول أوروبية وعالمية، هذا الأسطول الهادف إلى كسر الحصار عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، وتقديم مساعدات إنسانية ضرورية له. هذا الفعل ليس انتهاكاً للقانون الدولي بوصفه اعتداءً على مدنيين في المياه الدولية فحسب، ولكنّه أيضاً ينطوي على كثير من معاني الاستهتار والتعالي بحقِّ الدول ومواطنيها على يد وزير مثقَل بالعنصرية والدموية، وهو الذي اقترن اسمُه بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين محتفِلاً به واحداً من أهم إنجازاته، إلى جانب خطّه التقليدي العنصري المعادي للعرب، في الضفة الغربية والقطاع، وفي الداخل الفلسطيني أيضاً.
وكان وزير الخارجية جدعون ساعر أوّل مسؤول إسرائيلي يرفع صوته مندِّداً بفعلة بن غفير. وبَّخه علناً، وكشف الأضرار الفادحة التي ألحقها بإسرائيل، وقال إنّه “ألحق ضرراً متعمَّداً بإسرائيل، عبر هذا المشهد المخزي”، وأضاف: “لقد أفسدتَ جهوداً هائلة واحترافية وناجحة بذلها كثيرون، من جنود الجيش الإسرائيلي إلى موظفي وزارة الخارجية وغيرهم”. ويكشف هذا تضارباً بين أهداف دولة الاحتلال، وفي تعبير عن اختلال قيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي هو في العمق أقرب إلى مواقف بن غفير، لكنّه في المظهر، خصوصاً بعد أن عايَنَ ردّات الفعل الدولية المتتالية، وجد ألّا مفرَّ من التنصُّل من هذا الفعل الشنيع، فقد دافع نتنياهو عن اعتراض إسرائيل “أسطول الصمود”، لكنّه وجّه انتقاداً لبن غفير، معتبراً أنّ طريقة تعامله مع النشطاء “لا تتماشى مع قيم إسرائيل ومعاييرها”. ولم يبتعد السفير الأميركي مايك هاكابي عن موقف نتنياهو، إذ رأى أنّ بن غفير قد خان بهذا الفعل المشين كرامة أمَّته.
ما ميّز الحادثة أنّها حملت قدراً زائداً من الرعونة والصبيانية، وأنّها تستدعي الممارسات البغيضة التي سبق أن تفاخر بها بن غفير بحقّ الأسرى الفلسطينيين، بل إنّه صرَّح بتمنّياته أن يسمح له نتنياهو بإدخال هؤلاء النشطاء إلى سجون الاحتلال، ليعاملهم كما يعامل الأسرى. ومن الواضح أنّ هذا الاتجاه الذي يمثّله هذا الوزير المتطرِّف والعنصري يعبِّر عن شريحة ليست هامشية في شعب دولة الاحتلال، وأنّ من أهداف تكرار مثل هذه الممارسات زيادة شعبية وزراء يعرفون مطالب قواعدهم الانتخابية، وتطلّعاتهم، فليس بن غفير وحده من يعزف هذا اللحن العدواني الكريه، فقد نشرت وزيرة المواصلات ميري ريغيف (حزب ليكود) مقطع فيديو من ميناء أسدود للحظة وصول سفينة تضمّ عشرات المحتجزين من ناشطي “أسطول الصمود”، تحت عنوان: “هذا ما سيُفعل بمؤيّدي الإرهاب الذين جاؤوا لكسر الحصار على غزّة”. ولا يخفى أنّ هذا الاتجاه نما وتوسَّع في دولة الاحتلال، بعد “طوفان الأقصى” (2023)، وهو اتجاه ديني قومي متطرِّف، منغلق، لا يأبه كثيراً بالرأي العام العالمي، ويرى أنّه لا يلزمه الاتساق مع القانون الدولي، بل قد يرى ذلك خضوعاً وتنازلاً عن حقوق غير قابلة للمساومة.
والمشكلة التي تعكِّر استقرار هذه المنطلقات غير البعيدة عن نتنياهو، الصادرة بحقِّه مذكِّرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية خلال الحرب على غزّة، أنَّ شعوب العالم، وبعض دوله، لم تدر الظهر لقضية فلسطين، بوصفها قضيةً عادلةً، وأنّ هذا التعاطي المعانِد الذي يتبنّاه مسؤولون متطرّفون في دولة الاحتلال، يُدخِل دولة الاحتلال في مواجهة تتجاوز الطرف الفلسطيني الأصيل، إلى نطاق عالمي لا يزال يتفاعل، وينذر بتوسُّع (لعلّ أجددها تنديد كوريا الجنوبية بالاعتداء على “أسطول الصمود”، ودعوة رئيسها إلى اتخاذ قرار بشأن اعتقال نتنياهو بموجب مذكّرة “الجنائية الدولية”)، هذا التعاطي المعاند يمثِّله أيضاً وزيرُ المالية بتسلئيل سموتريتش، إذ إنّه بعد إبلاغه بطلب إصدار مدَّعي عام المحكمة الجنائية الدولية مذكِّرة توقيف سرّية بحقّه، قرَّر توقيع أمر بإخلاء قرية الخان الأحمر، وهو قرار سبق أن أيّدته المحكمة العليا الإسرائيلية، في عام 2018، إلا أنّه لم يُنفَّذ، بعد تحذيرات من الأمم المتحدة ومن المحكمة الجنائية الدولية وجهات أخرى، من أن ذلك يُعَدُّ انتهاكاً للقانون الدولي.
يُنذر هذا النهج المتطرّف بما استمات قادة إسرائيل في الحيلولة دونه: تدويل الصراع. صحيح أنّ التدويل لا يكتمل على الصعيد الرسمي لأنّ الولايات المتحدة ترفضه، ولأنّ قادة الاحتلال يرون أنّ بمقدورهم التضحية عند الضرورة بصداقات أخرى (الدول الأوروبية أو غيرها)، مع أنّه لا إشارات كافية على تبلور موقف أوروبي جماعي يلجِم أطماع إسرائيل التي تمادت، وشارفت على مرحلة الحسم. وأغلب الظن أنَّ هذه العيِّنة من القادة الاحتلاليين لا يعدِلهم عن طموحاتهم عالية السقف إلا خطر وجوديّ جدّي، هو فقط ما يمكن أن يصرِفهم عن المضيِّ في هذا الطريق، أو ما يمكنه أن يجمِّده، أو يغيِّر أساليبه. أمّا سوى ذلك من أضرار فإنّهم يتحمَّلونها، أمام استراتيجية المكاسب، ثم يمكن لاحقاً تدارك ما يمكن تداركُه.
وعليه؛ تؤكّد الأزمة التي أثارها تنكيل بن غفير بنشطاء “أسطول الصمود” حالة التحوُّل في طبيعة هذه الدولة المحتلّة في اتجاه طبيعة قومية دينية متعالية يرى ممثّلوها في أيِّ طرف دولي لا يوافقهم إرهاباً، ويرون التجاوب معه نفاقاً من شأنه أن يضعفهم، داخلياً، أمام أنصارهم وناخبيهم، ومِن شأنه أن يكبح، دولياً، جماحهم لصالح المرجعية الدولية، وهي ساحة لا حظوظ لهم فيها، بالمرَّة.



