مكر التاريخ في لبنان

عبد الحليم قنديل

حرير- قد لا يكون التاريخ يعيد نفسه دائما، فقطرة الماء ذاتها لا تجري في النهر الواحد لمرتين، لكن حوادث التاريخ قد تتشابه أحيانا، وربما تتطابق في مغزاها وعظاتها، فللتاريخ مكره الخاص، ويحدث كثيرا في التاريخ ومجراه الذي لا ينتهي، أن يذهب فرد ما أو جماعة أو دولة في طريق، وتدفعه شهرة القوة للذهاب إلى ما يتصوره قصرا لمجده، ثم يكتشف بعد فوات الأوان، أنه ذهب سهوا ليحفر قبرا جديدا لنفسه.

شيء من ذلك حدث ويحدث في لبنان اليوم، ويكاد يذكّر حرفيا بما جرى قبل أكثر من أربعين سنة، مع اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لأراضي لبنان، ووصول حملة الجنرال آرييل شارون إلى احتلال العاصمة بيروت، وتحت شعار إجلاء جماعات منظمة التحرير الفلسطينية، التي خرجت بالفعل إلى أقطار عربية أخرى، لكن القصة لم تنته فصولها عند هذا الحد.

وبدا الجسد اللبناني المتعب المرهق بحرب أهلية طويلة، وكأنه ينتفض طالبا لثأر جديد، فقد كان بشير الجميل قائد ما يسمى «القوات اللبنانية» يظن وقتها، أن دبابات شارون كفيلة بحراسة رئاسة الجمهورية اللبنانية، وجرى عقد اتفاق 17 مايو /آيار 1983 مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، لكن سرعان ما جرى اغتياله، وتولى المنصب شقيقه الأكبر أمين الجميل، بعد اضطرار قوات الاحتلال للخروج من العاصمة اللبنانية، وانسحاب قوات الاحتلال إلى الجنوب، ثم ظهور جماعة «حزب الله» بدعم إيراني ظاهر، وبدء رحلة «حرب عصابات» طويلة في الشريط الجنوبي، استمرت لنحو عشرين سنة، إلى أن خرجت قوات الاحتلال في 25 مايو 2000 من الجنوب ذليلة مدحورة، ومعها العملاء من «جيش لبنان الجنوبي»، ومن دون توقيع اتفاق سلام ولا صك تطبيع.

وفي مشهد التاريخ الجاري هذه الأيام، يبدو تشابه الحوادث ظاهرا، سلطة تجري مفاوضات مباشرة في واشنطن، هدفها المعلن توقيع اتفاق سلام جديد مع إسرائيل، ومع إعلان إسرائيلي أمريكي جهير، أن الهدف هو دفع الحكم اللبناني لخوض حرب نزع سلاح «حزب الله» بالمشاركة مع كيان الاحتلال، فيما يكرر الأخير سيطرته على شريط متسع من الجنوب اللبناني، ويتبنى سياسة الأرض المحروقة، وحجز 55 قرية لبنانية وراء ما يسميه «الخط الأصفر»، أو «خط الدفاع الأول»، ويكرر الجرائم ذاتها على نحو أعنف، يقتل ويجلي السكان ويفجر المنازل بالجملة، ويمنع عودة النازحين، ويعجز لأسابيع عن احتلال كامل بلدة «بنت جبيل»، ويسعى للانتقام بتدمير منطقة ملعبها، الذي أعلن منه الأمين العام التاريخي الراحل السيد حسن نصر الله، نصر لبنان العزيز بتحرير الجنوب، وأطلق وقتها عبارته الشهيرة عن إسرائيل الأوهى من بيت العنكبوت.

كان التعبير نافذا على حماسته المفرطة، فقد كان الوقت قد تغير، ونشأت مدرسة جديدة في المقاومة، تعززت في ما بعد وأثبتت فعاليتها في ميادين النار، وفي الحروب غير المتناظرة، التي يملك فيها العدو ما لا تملكه جماعات المقاومة، وفي المنازلة التاريخية متعاقبة المراحل، كان الافتتاح صاخبا بالمنازلة بين أعلى قيمة إنسانية، وأعلى قيمة تكنولوجية مضافة، يكاد العدو يحتكرها، وأثبت سلاح الاستشهاد كأعلى قيمة إنسانية، أن الكفة راجحة في صفه، وكلنا يذكر ما جرى في أواخر شهور 1983، وتتابع تدمير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور بسيارة مفخخة يقودها استشهادي، ثم زحف الظاهرة الاستشهادية ذاتها إلى بيروت، وسقوط مئات الجنود القتلى من «المارينز» الأمريكي، وتكرار الحدث ذاته في مقر مشاة البحرية الفرنسية، كان حس الاستشهاد ينتصر في معارك متفرقة مع أعلى ما يملكه العدو ورعاته من تكنولوجيا، وفي مراحل لاحقة، راحت قيمة الاستشهاد تكتسب قيما تكنولوجية مضافة بدعم إيراني، فيما عجزت القيمة التكنولوجية الأعلى عند العدو عن اكتساب ما يوازي أو يوازن حس الشهادة.

وفي الميدان اليوم، نرى «حزب الله» يعود إلى تكتيكات وأساليب حرب العصابات، ولكن في صورة متقدمة تكنولوجيا، ونرى ما تفعله مسيرات حزب الله الانقضاضية الموجهة للتخفي بتكنولوجيا الألياف الضوئية، ونرى ما أحدثته من صدمات لجيش الاحتلال، وبالذات في واقعة مثيرة جرت قبل أيام، حين انقضت مسيرة تعمل بالألياف الضوئية على تجمع للجنود الإسرائيليين من حول مروحية إنقاذ، ونرى تزايد عدد الضباط والجنود الإسرائيليين» القتلى والجرحى، ونرى ـ كما قالت صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية ـ سيطرة ميدانية واسعة لحزب الله في قرى الجنوب المعاد احتلالها، فلم يعد القتال مقصورا على أسلوب «اضرب واهرب»، ولا على الكمائن المعدة بعناية من مقاتلي «حزب الله»، بل صارت مسيرات الألياف الضوئية في الجنوب اللبناني، وعلى مستعمرات العدو في الشمال الفلسطيني المحتل، صارت هذه المسيرات المتطورة تكنولوجيا صداعا يفجر رؤوس العدو بضباطه ومستوطنيه في مستعمرات الجليل، وقد لا نكون هذه المرة بصدد «حرب عصابات» مقاومة تتصل لنحو عشرين سنة كما الماضي، ويقع فيها 20 قتيلا إسرائيليا فقط كل عام، بل بصدد وقت أقصر بكثير في دحر الاحتلال الجديد للجنوب، فقد عاد «حزب الله» إلى الميدان بقوة أسطورية مستعادة، وبدا كما لو أن السيد حسن عاد من قبره، ويرى ثمار ما غرست يداه وعقله ووجدانه في زمن المقاومة الأول.

وقد لا تكون مجرد مصادفة أو ملاحظة عابرة، أن هدد الشيخ نعيم قاسم الأمين العام الحالي لحزب الله، وتوعد بالعودة إلى خط العمليات الاستشهادية مجددا، وهو سلاح فتاك يملكه مقاتلو «حزب الله»، الذين أعاروا الجماجم لله في حرب الحق وتحرير الوطن، ومع فارق ظاهر، أن استشهاديي «حزب الله» اليوم، يملكون فرص الوصول إلى أهداف ثمينة داخل فلسطين المحتلة ذاتها، وليس فقط في الداخل اللبناني، وأن أدواتهم التكنولوجية المضافة، لا تلغي ولا تجور على حس الاستشهاد الفطري لديهم كأعلى قيمة إنسانية، وانظروا إلى الميدان الواسع مجددا، وتذكروا الذعر غير المسبوق ولا الملحوق بعد العملية الاستشهادية التي دمرت مقر مشاة البحرية الأمريكية «المارينز» أواخر عام 1983، ومسارعة الرئيس الأمريكي وقتها رونالد ريغان، إلى سحب قواته وأساطيله من لبنان ومن قبالته، وتذكروا أيضا قول الجنرال إسحق رابين مع عمليات استشهادية اجتاحت الداخل الفلسطيني المحتل، كان رابين رئيسا لوزراء «إسرائيل»، وعقد مع الطرف الفلسطيني المعني عددا من اتفاقات «أوسلو» وأخواتها، وقال ذات مرة، إنه لا سبيل لمواجهة العمليات الاستشهادية، وأضاف أن أجهزة الاستخبارات مهما بلغت قوتها، لا تملك فعل شيء في المقابل، ففكرة الاستشهاد تدور في عقل ووجدان فرد بذاته، وليس في قواعد عسكرية ومقرات يمكن تعقبها وتدميرها.

و»حزب الله» في طبعته الجديدة العائدة إلى الميدان، المكذبة الداحضة لأراجيف سادت زمنا عن تلاشي قوة الحزب، بعد اغتيالات متوالية لقادته الكبار، وتبين مقدرة الحزب على ترميم نفسه واستعادة قواه، وحماية قلب جهازه التنظيمي العسكري من اختراقات الأطراف والمراكز، وإلى حد أنه تمكن من إطلاق أكثر من ألفي صاروخ باليستي على الداخل الفلسطيني المحتل منذ عاد للقتال في 2 مارس 2026، وإضافته لصواريخ متطورة تدمر الجرافات والدبابات الإسرائيلية، ثم إبداعه الفريد لمسيرات انقضاضية عاملة بألياف ضوئية تصعب مهمة رصدها وإسقاطها، وتحميل بعض المسيرات بصواريخ مضادة للدبابات والمدرعات وثكنات الجنود، ومع هذه الإضافات التكنولوجية المؤثرة، يملك حزب الله ومقاتلوه روحهم الاستشهادية الجياشة مع عبقرية القتال من مسافة أمتار، وقد غادروا صوما طويلا عن القتال، على مدى خمسة عشر شهرا أعقبت وقف إطلاق النار الأول في 27 نوفمبر 2024، وهو عكس ما يفعلونه هذه المرة مع وقف إطلاق النار الممدد بمسعى من إدارة دونالد ترامب، التي أعطت إسرائيل حق انتهاكه واختراقه بدعوى الدفاع عن النفس، ولأن المؤمن لا يصح أن يلدغ من الجحر ذاته مرتين، فإن «حزب الله» يرد بانتظام على انتهاكات العدو الإسرائيلي ميدانيا، ويستمر في حرب العصابات المتطورة تقنيا.

وليس في وسع الحكم اللبناني الحالي، أن يكرر ما فعله بعض أسلافه، وأن يعقد اتفاق سلام «إبراهيمي» يرغبه ترامب، مع إسرائيل، فما من شبهة إجماع وطني لبناني على طريق المفاوضات المباشرة المتصادمة مع القانون اللبناني، وما من نية إسرائيلية للانسحاب طوعا من لبنان وإعادة النازحين والأسرى، وكل ما يريده بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو، أن يورط الجيش اللبناني إلى جوار جيش الاحتلال في حرب لنزع سلاح «حزب الله»، وهو هدف مستحيل التحقق، أعلنت إسرائيل عدة مرات عن إنجازه، ثم تبين أن الإعلان الكاذب كان مجرد زوبعة في فنجان مسموم.

مقالات ذات صلة