عومير بارتوف: من تجريم الفيرماخت إلى تجريم إسرائيل

وسام سعادة

حرير- ينسى كثير من الناس اليوم أنه، ومن بعد عقود من المراجعة الألمانية الحثيثة للذاكرة، والإقرار بفظاعة ما ارتكب في المحرقة، والابتعاد بالتالي من مرحلة «صمت المذنبين» التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة حتى مطالع الستينيات، الى المرحلة التي دشنتها محاكمة ايخمان في القدس (1961)، ومحاكمات فرانكفورت (1963-1965)، والأخيرة، بخلاف محاكمات نورنبرغ التي أدارها الحلفاء، مثلت أول جهد قضائي داخلي ومنظم لمحاسبة مرتكبي الجرائم في معسكر أوشفيتز بموجب القانون الجنائي الألماني، فإنه وعلى الرغم من هذا المسار، بل ومن بعد سنين طويلة على ركوع المستشار فيلي براندت أمام النصب التذكاري لضحايا غيتو فرصوفيا (1970)، ظلت الجمهورية الفدرالية تراوغ في كل ما عنى سلوك الجيش الألماني (الفيرماخت) في أعوام الحرب. فبينما كان المجتمع الألماني يتقبل تدريجياً مسؤولية منظمة قوات نخبة الصاعقة النازية وقيادة الحزب النازي عن إبادة اليهود ظل هناك إصرار على تبرئة الجيش النظامي ما سمح لملايين الألمان بالشعور بأنه إذا كان آباؤهم خدموا في الجيش فلا حرج فجنوده ما كانوا قتلة.

لم تمتد المراجعة لتشمل الفيرماخت إلا تحت تأثير كتاب المؤرخ الإسرائيلي – الأمريكي عومير بارتوف «جيش هتلر» مطلع التسعينيات، إذ فكك أسطورة الجيش النظيف هذه، وأظهر أنه لم يكن متفرجاً فحسب، بل مشاركاً لوجستيا وعملياتيا في جرائم الإبادة، لا بل أظهر بارتوف أن الهولوكوست ما كان ليكون بهذا الهول لولا دور الجيش الألماني النظامي، وبعد سنوات قليلة على انتشار كتابه كان المعرض التنديدي بمسؤولية الفيرماخت الذي تنقل بين أنحاء من ألمانيا منتصف التسعينيات وساهم في تجذير الاعتراف بعمق البنية الإجرامية على هذا النحو. بينما اشتغل بارتوف على الوثائق، مثل هذا المعرض صدمة بصرية عبر عرض أكثر من 1300 صورة فوتوغرافية توثق تورط الجنود النظاميين في الإعدامات والتنكيل.

تخصص بارتوف بتاريخ الهولوكوست وألمانيا النازية ولم يكن معنيا بالتالي بالموضوعات المتعلقة بطيف المؤرخين «ما بعد الصهيونيين» المتعلقة بالمسألة الفلسطينية ومراجعة السردية المهيمنة في الدولة العبرية حول حرب 1948 وما قبلها وبعدها. لكن كتابه الصادر عام 2007 وقد شرح فيه كيف تمت إبادة اليهود في بلدة بوتشاتش – غرب أوكرانيا – التي تتحدر منها عائلة والدته، كان علامة فارقة، إذ أظهر بارتوف أن القتل في هذه البلدة المختلطة لم يتم عبر غرف غاز بعيدة ومجهولة فقط، بل تم بيد الجيران الذين عاشوا معاً لقرون. من خلال هذا الاعتناء بـ»التاريخ المصغر» أظهر بارتوف أن الإبادة لا يمكن أن تختصر بمجرد قرارات تتخذ من فوق الى تحت، وبموجب آلة صناعية ليس إلا، بل هي نتاج تمزق اجتماعي على مستوى القاعدة يشارك فيه الجيران، وأن فقدان القدرة على رؤية الآخر في البلدة نفسها كجار يسهل عملية إبادته.

لبارتوف سجل بحثي طويل قبل أن يصدر قبل أسابيع قليلة كتابه السجالي «إسرائيل: ما الذي حدث من خطأ»، وقد أهداه إلى والده هانوخ، وقد وصفه بأنه «الصهيوني الأخير». قصده في الكتاب أن الصهيونية أنحط بها السبيل وأصبحت مدموغة بنظام الأبارتهايد في الضفة الغربية وبجرائم الإبادة في قطاع غزة. يسأل بارتوف نفسه ويجيب: «إلى متى ستتمكن إسرائيل من البقاء كدولة أبارتهايد استبدادية؟ من غير المرجح أن أرى نهايتها في حياتي؛ فقد تستمر لمدة عشرين أو ثلاثين عاماً. لكن على المدى الطويل، لن تكون قابلة للاستمرار. سوف يضعف المجتمع الإسرائيلي تدريجياً؛ وسيغادرها العديد من الأشخاص الأكثر تعليماً ومهارة وإبداعاً، كما بدأوا يفعلون بالفعل. وعلى الصعيد الدولي، ستصبح دولة منبوذة، ومعزولة بشكل متزايد عن حلفائها وعن الشتات اليهودي. ورغم أنها قد لا تُهزم أبداً، إلا أنها ستخوض المزيد والمزيد من الحروب التي لا يمكنها الانتصار فيها. في النهاية، أتوقع أن ينهار نظام الأبارتهايد الإسرائيلي من الداخل، كما حدث في جنوب أفريقيا تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، والعنف، وحظر الأسلحة، والعقوبات الاقتصادية من قبل المجتمع الدولي، وربما ينبثق نوع من الدولة ثنائية القومية من بين الأنقاض. لكن ذلك سيأتي بعد معاناة وألم هائلين لكل المعنيين، وللفلسطينيين أكثر بكثير من اليهود. إنها وصفة لتحويل حلم الصهيونية إلى كابوس.»

ليس سهلا تجاوز المسافة التي تفصل الإقرار بالسمة المرتبطة بالآليات الاستعمارية الاستيطانية للصهيونية منذ بداياتها عن الخطاب الذي يقول بأنها بدأت كحركة تحرر وطني ثم تحولت الى استعمارية، وبارتوف يواظب على هذا النوع من الخطاب، في الوقت نفسه فمن الخطأ اللامبالاة بأن المؤرخ نفسه الذي فكك أسطورة الجيش الألماني النظيف هو اليوم الذي يدمغ الجيش الإسرائيلي بالروحية الإبادية، لا بل تراه يتجاوز المحظور الإسرائيلي في المقارنة مع النموذج الألماني.

يذكرنا بارتوف أنه في مطلع العام 1904 شنّ محاربو الهيريرو في ناميبيا وكانت مستعمرة ألمانية آنذاك، هجمات بقيادة زعيمهم صموئيل ماهاريرو، على مزارع استيطانية. وكان الألمان يتوافدون بأعداد متزايدة منذ أواخر القرن التاسع عشر، متعدين بشكل مستمر على أراضي الرعي التابعة للهيريرو. دمر المتمردون العديد من المزارع، وقتلوا أكثر من مائة مستوطن ألماني، على الرغم من أنهم – بناءً على أوامر زعيمهم – استثنوا النساء والأطفال في الغالب. وبالنسبة للمستوطنين، كان هذا التمرد بمثابة الدليل النهائي على الحاجة إلى إبادة شعب الهيريرو، الذين كانوا يصفونهم بالقردة، فناشدوا برلين للحصول على المساعدة، فكانت إبادة شعب الهيريريو بعد ذلك ببضعة أشهر. لقد شكلت إبادة الهيريريو تجربة جرى اختبارها ما وراء البحار، قبل أن يطبقها النازيون لاحقا على نطاق أوسع وأكثر منهجية. مع ذلك تأخرت ألمانيا المعاصرة كثيرا في الاعتراف بمسؤوليتها عما حصل في ناميبيا. لا يغفل بارتوف ان إبادة «الهيريرو» كانت جزءاً من العنف القاتل الذي مارسه المستعمرون الأوروبيون ضد السكان الأصليين في جميع أنحاء العالم «وقد نُسيت جزئياً لأنها لم تكن فريدة من نوعها، وإن كانت فريدة ربما في سرعتها وكفاءتها». يستشهد بإيمي سيزير، بخصوص أن «الأوروبيين البيض لم ينتبهوا إلا عندما قام هتلر بتطبيق الإجراءات الاستعمارية على أوروبا، والتي كانت حتى ذلك الحين حكراً حصرياً على الشعوب المستعمرة في أماكن أخرى». هذا كي يصل بارتوف الى الجهر بأن ابادة الهيريريو مطلع القرن العشرين «تشترك في بعض أوجه التشابه الملحوظة مع حملة التطهير العرقي والإبادة التي شنتها إسرائيل في غزة (..) مع إفلات شبه كامل من العقاب، والتي صورها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه أمام اجتماع مشترك للكونغرس في يوليو 2024 على أنها ليست أقل من «صدام بين البربرية والحضارة». وبالفعل، رأت إسرائيل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تماماً كما رأى الألمان هجمات الهيريرو قبل 119 عاماً».

ليس بالضرورة أن يوافق المرء على هذه المقايسة بين الهيريرو وبين حماس، يبقى أن بارتوف، بباعه الطويل في تاريخ الإبادة يوجه صفعة قوية للخطاب القائم على فكرة أنه إن كان أحفاد الناجين من الإبادة يواجهون عقلية إبادية تترجم بهجمات دموية ضدهم فليس عليهم حرج من القيام بأي إبادة بدورهم.

مقالات ذات صلة