حين يصبح الأطفال وسيلة للانتقام

محمد عايش

حرير- جريمة مرعبة أحدثت زلزالاً اجتماعياً في الأردن، خلال الأيام الماضية، حيث قام رجل بقتل أطفاله الثلاثة ذبحاً بالسكين، ومن ثم قام بتصوير جريمته وتصوير ضحاياه وإرسال الصور مع مقطع فيديو على الهاتف النقال لطليقته، التي هي والدة الأطفال الثلاثة، حيث أراد الانتقام منها عبر هذه الجريمة، التي هي واحدة من بين الأبشع في تاريخ البلاد.

سرعان ما تبين أن الأب يعمل موظفاً في الجامعة الأردنية، والأم تعمل معلمة ابتدائية، وكلاهما من أبناء الطبقة المتوسطة العادية، التي تنتمي إليها الأغلبية الساحقة من الناس، كما أن الأب لم يكن تحت تأثير المخدرات ولا الكحول، كما يحلو للأردنيين أن يتخيلوا، أو يفترضوا كلما سمعوا بجريمة بشعة، أو تصرف غريب. واقع الحال أن هذه الجريمة التي هزت وجدان الأردنيين ونشرت موجة واسعة من الحزن، ليست بمعزل عن أحداث حزينة مماثلة حصلت سابقاً؛ فخلال الشهر الماضي آذار/ مارس 2026، قامت سيدة في مدينة الرمثا الأردنية بقتل طفلتيها بالرصاص، ثم انتحرت بالمسدس ذاته وغادرت الحياة، من دون أن تتضح الأسباب والظروف والملابسات بشكل دقيق. وفي بداية العام الماضي قام رجل بقتل طفليه عبر إلقائهما في مجرى مائي، مدفوعاً بخلافات عائلية.

كما أن هذه الجريمة الأخيرة ليست الأولى التي يقوم فيها رجل للانتقام من طليقته عبر قتل الأطفال، إذ يبدو أنها مستوحاة من جريمة سابقة حدثت في الأردن في عام 2024، حيث قام رجل في ذلك الحين بقتل ابنته البالغة من العمر عامين فقط، وذلك عبر خنقها بيديه، ومن ثم قام بتصويرها، وأرسل صورتها إلى طليقته للانتقام منها.

وبطبيعة الحال فهذه الحوادث المأساوية والجرائم المرعبة، لا تقتصر على الأردن، فقد شهدت بعض الدول العربية الأخرى مثل هذه الأحداث الاجتماعية، ربما آخرها وأشهرها قيام الناشطة المصرية المعروفة على شبكات التواصل الاجتماعي بسنت إسماعيل بالانتحار، من خلال بث مباشر على الإنترنت وأمام جمهورها ومحبيها، وذلك بعد خلافات مع طليقها، يبدو أنها تعمقت وتعقدت وأوصلتها إلى حالة اليأس الكامل.

هذه الجرائم والحوادث المرعبة هي في الحقيقة تعبير عن أزمة اجتماعية تتعمق يومياً، فهي خارجة عن المألوف ولا يُمكن التعامل معها على أنها حدث طبيعي، كما إنها لا يُمكن أن تنتج عن تعاطي المخدرات، أو الكحول، إذ على سوئهما لا يُؤديان في الحال الطبيعي إلى هذا التطرف في السلوكيات. المرضُ الأساسي الذي تعاني منه مجتمعاتنا هو الفقر، وتتعمق آثار هذا الفقر مع غياب المنظومة اللازمة لتقديم الدعم المالي والمعيشي للمحتاجين، فالكثير من الفقراء والمحتاجين لا يتمكنون من الحصول على الدعم اللازم أو الكافي، كما إن البعض الآخر يجد أن طريقة الحصول على المعونات والمساعدات تنتقص من كرامته، وهو ما يشكل عبئاً نفسياً إضافياً عليه، وهذا يعني أن المطلوب أولاً هو إعادة النظر في منظومة الرعاية الاجتماعية بشكل كامل، ومنظومة تقديم المعونات الأساسية والمادية للفقراء. ثمة مراجعة أخرى مطلوبة بصورة ماسة وسريعة، وهي «الأحوال الشخصية» وتنظيم الحقوق والواجبات في حالات ما بعد الطلاق، إذ إن أغلب هذه الجرائم تنتج عن خلافات تتعمق بعد صدور أحكام قضائية، تفصل بين الأزواج المتخاصمين، فيصبح الطلاق بداية لخلافات أكبر وأعمق وأخطر، بدلاً من أن يكون حلاً لخلافات سابقة لم يتمكن الزوجان من تجاوزها عندما كانا تحت سقف واحد.

هذا يعني أننا بحاجة في بلادنا العربية الى إعادة النظر في منظومتين، الأولى منظومة قانونية تتعلق بالأحوال الشخصية وحماية الأسرة وأسس التقاضي بين الزوجين عند نشوب الخلافات بينهما، والمنظومة الثانية هي المتعلقة بالرعاية الاجتماعية وتقديم المعونات والمساعدات والتحقق من حاجات الفقراء، وهي المنظومة التي تشكل حلاً للفقر والحاجة اللذين يلتهمان الطبقة المتوسطة في بلادنا، ويتوقع أن تتسع رقعتهما في ظل موجة غلاء الأسعار المقبلة.

مقالات ذات صلة