السردية الوطنية التي تحتاجها سوريا الجديدة

د. فيصل القاسم

حرير- ليست أزمة سوريا اليوم أزمة جغرافيا، ولا أزمة موارد، ولا حتى أزمة نظام سياسي فقط؛ إنها قبل كل شيء أزمة سردية وطنية. أي: ما هي القصة التي نرويها عن أنفسنا؟ من نحن كسوريين؟ وعلى أي أساس نريد أن نبني دولتنا بعد كل هذا الخراب؟

التجربة الإنسانية الحديثة تقول شيئاً واضحاً: الدول العظمى في القرن الحادي والعشرين لم تعد دولاً قومية صلبة ولا دينية ولا طائفية. لم تعد تقوم على عِرق واحد أو مذهب واحد أو رواية تاريخية أحادية. الدول القوية اليوم تشبه الشركات متعددة الجنسيات: تضم عشرات الأعراق، ومئات الخلفيات الدينية والثقافية، لكنها تعمل تحت هوية جامعة واحدة، وقانون واحد، ومصلحة وطنية واحدة.

خذوا الولايات المتحدة مثالاً. أمريكا ليست دولة “البيض”، ولا دولة “المسيحيين”، ولا دولة “الأنغلوساكسون”. هي خليط هائل من الأعراق والأديان والطوائف: الأسود والأبيض، المسلم والمسيحي واليهودي واللاديني، القادم من أفريقيا، وأوروبا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. ومع ذلك، ستجد أن الجميع – حتى أفقر مواطنيها – يتفاخرون بانتمائهم الوطني. الفقير الأمريكي قد يكون جائعاً، لكنه لا يشعر أنه “ضيف” أو “مواطن درجة ثانية” بسبب دينه أو لونه أو أصله.

الأمر ذاته ينطبق على كندا، أستراليا، وسنغافورة. سنغافورة مثلاً دولة صغيرة المساحة، لكنها تضم صينيين ومالاويين وهنوداً ومسلمين ومسيحيين وبوذيين. لم تُبنَ قوتها على تغليب عِرق أو دين، بل على سردية وطنية صارمة: المواطنة أولاً، والقانون فوق الجميع، والهوية الوطنية لا تُختطف من أي جماعة.

في هذه الدول، لن تسمع خطاباً رسمياً أو شعبياً يقول: “نحن السادة، والبقية ذيول”. بل على العكس، أكثر ما تحاربه الدول التي تحترم نفسها اليوم هو إثارة الأحقاد الطائفية والعرقية والدينية. هناك قوانين واضحة تجرّم خطاب الكراهية، والتحريض على الانقسام، والتلاعب بالنسيج الوطني. ليس لأن هذه الدول “ملائكية”، بل لأنها فهمت درس التاريخ: الانقسام الداخلي هو أسرع طريق إلى الانهيار.

وعندما نأتي إلى سوريا، فإننا أمام بلد متعدد الأعراق، متعدد الأديان، متعدد الطوائف، ومتعدد الهويات الثقافية. هذا ليس عيباً، بل كان – قبل أن يُساء استخدامه – أحد مصادر غنى سوريا التاريخي. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول الرموز، والشعارات، والأسماء، إلى أدوات إقصاء بدل أن تكون جسوراً جامعة.

والخصوصية السورية تجعل الحاجة إلى هذه السردية الوطنية الجامعة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالسوريون لا يخرجون فقط من حرب مدمّرة، بل من تراكم طويل من سياسات التفريق، والاستثمار في الهويات الفرعية، واستخدام الطائفة والعرق كأدوات حكم وصراع. لقد جُرِّب في سوريا كل ما يؤدي إلى الانقسام، وكانت النتيجة دولة منهكة، ومجتمعاً ممزقاً، وثقة شبه معدومة بين المكونات.

أي خطاب اليوم يعيد إنتاج منطق “نحن” و”هم”، أو يلمّح إلى تفوق تاريخي أو رمزي لفئة على أخرى، مهما كان مغلفاً بالنوايا الحسنة، هو خطاب خطير في السياق السوري. لأن الذاكرة السورية مثقلة بالجراح، وأي إشارة إقصائية – ولو رمزية – تُقرأ فوراً كتهديد وجودي من الطرف الآخر. وهذا ما يجعل الرموز ليست مجرد رموز في سوريا، بل أدوات شحن واستقطاب.

هنا يجب التوقف بوضوح عند مسألة الرموز التاريخية. نعم، العصر الأموي كان عصراً عظيماً، وهو جزء أصيل من تاريخنا، ومن حق السوريين أن يفتخروا به كما يفتخرون بكل محطات تاريخهم. لكن الخطأ الفادح يبدأ عندما نحاول فرض رمز واحد، أو اسم واحد، أو هوية واحدة، على كل السوريين، وكأنها التعبير الوحيد المشروع عن الوطن.

عندما تفعل ذلك، فأنت بقصد أو بدون قصد – ترسل رسالة خطيرة: “من لا ينتمي إلى هذا الرمز، فهو أقل انتماء، أو غير مرغوب فيه، أو مشكوك بولائه”. وهنا لا تعود تبني دولة، بل تزرع ألغاماً مؤجلة في جسد مجتمع منهك أصلاً من عقود الصراع، والاستبداد، والاقتتال الطائفي، والفرز الاجتماعي.

كما أن ملايين السوريين عاشوا تجربة اللجوء، واحتكوا بنماذج دول حديثة تقوم على المواطنة لا على الانتماء الطائفي. هؤلاء لن يقبلوا بالعودة إلى دولة تعيد إنتاج الأسئلة القديمة نفسها: من أنت؟ ومن أين؟ وإلى أي طائفة تنتمي؟ الدولة التي نريدها يجب أن تسأل سؤالاً واحداً فقط: ماذا تقدم، وما هي حقوقك وواجباتك كمواطن؟

التجارب الدولية تُظهر بوضوح أن الدول الخارجة من الحروب الأهلية لا تنجو إلا بسردية جامعة. رواندا بعد الإبادة الجماعية مثال صارخ. الدولة هناك حظرت خطاب “الهوتو” و”التوتسي” في السياسة، وفرضت سردية وطنية واحدة: “نحن روانديون”. لم يكن ذلك إنكاراً للتاريخ، بل شرطاً للنجاة ومنع تكرار الكارثة.

سوريا اليوم في وضع لا يحتمل المغامرات الرمزية ولا المزايدات الهوياتية. نحن بحاجة إلى شعار جامع، لا إلى شعارات انتصارية لفئة على حساب أخرى. بحاجة إلى خطاب يقول لكل سوري: “هذا الوطن لك، بغض النظر عن اسمك، أو دينك، أو طائفتك، أو لغتك الأم”.السردية الوطنية المطلوبة لسوريا الجديدة يجب أن تقوم على ثلاث ركائز واضحة:

المواطنة المتساوية: لا امتياز ولا عقاب على أساس الهوية.

القانون فوق الجميع: لا رموز مقدسة في السياسة، ولا تاريخ يُستخدم كسلاح.

الهوية الوطنية الجامعة: سوريا كهوية سياسية حديثة، لا كغنيمة تاريخية.

سوريا الجديدة لا تحتمل دولة هوية مغلقة، ولا دولة انتقام، ولا دولة “غالب ومغلوب”. تحتمل فقط دولة شراكة وطنية حقيقية، تعترف بالتنوع وتديره بالقانون، لا بالخوف ولا بالإقصاء. دولة لا تطلب من السوري أن يتنازل عن تاريخه أو معتقده، لكنها تمنعه من تحويله إلى أداة إقصاء للآخرين.

نحن لا نحتاج إلى محو التاريخ، بل إلى تحريره من الاستخدام الإقصائي. ولا نحتاج إلى صهر الناس قسراً، بل إلى عقد اجتماعي يجعلهم يختارون الانتماء طوعاً. سوريا لن تُبنى بتغليب رواية على أخرى، بل بجعل الوطن نفسه هو الرواية الأكبر.

تعالوا نبحث عن سردية وطنية تجمع السوريين، لا تُذكّرهم يومياً بخطوط الانقسام. تعالوا نبني دولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء، لا ضيوفاً مؤقتين أو مواطنين تحت الاختبار. هذه ليست رفاهية فكرية، بل شرط بقاء لسوريا الجديدة.

مقالات ذات صلة