الحرب والخلاص الثيولوجي

محمد جميح

حرير- غالباً ما تستدعي الحروب الأفكار الخلاصية المستقبلية، كوسيلة تحفيز للقتال، يستعملها القادة، وكضرب من التصرف غير الواعي، لدى الجمهور، يساعد في تجاوز مآسي الحروب وأهوالها، قبل أن يفيق المخدَّرون على حجم الكارثة التي حلت بهم، بسبب الحرب التي سعوا إليها، مشحونين بـ”أفيون ثيولوجي/ميثولوجي”، ساقهم إلى الهلاك.

يقول المقربون من المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي إنه شخصية تميل إلى الإيمان المغرق في الغيبيات، والميثولوجيا الدينية، وهي ميول يشير إليها خطابه الأول الذي خرج مكتوباً، والذي حملت لغته حمولات غيبية كثيفة، وإشارات إلى المهدي الذي طلب المرشد الابن منه الدعاء والنصر والتمكين، مع ما يكتنف شخصية مجتبى من غموض ميز شخصيته التي تميل إلى الظل، حتى في حياة والده الراحل علي خامنئي الذي كان يهيئه لخلافته، حسب تقارير إيرانية كثيرة.

ومع استعار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران انتشرت بين أنصار النظام بعض الأفكار الخلاصية التي تهدف لطمأنة الإيرانيين بحتمية النصر، والتي تشير إلى أن مجتبى أحد “المخَلِّصين”، وأنه هو “الخراساني” الذي يسبق خروج “الإمام المهدي”، حسب الرواية الشيعية، وذلك بعد انحسار هذا التوصيف عن والده الذي كان بعض الوعاظ الدينيين يسقطونه عليه، دون أن يكف الأتباع عن التعلق بشخصية “الخراساني” الذي “يقود الجيوش ليهزم جيش السفياني في العراق”، وهي الفكرة التي تم إسقاطها من قبل على المرشد الإيراني الأسبق الخميني الذي حاول قيادة الجيوش لهزيمة “السفياني”، وهو أحد أعداء الإمام المهدي، في الثيولوجيا الشيعية، بشكل خاص، حين كان يتم إسقاط شخصية هذا السفياني على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وهنا يقول حسين شريعتمداري ، رئيس تحرير صحيفة كيهان، المقربة من المرشد: “يمكن القول بجرأة إن مجتبى خامنئي هو المختار والمنتخب من قبل الإمام المهدي، ولذلك فإن طاعته تعد طاعة للإمام المهدي نفسه”.

دعونا نعود للوراء، إلى القرن الثاني الهجري، حين حقق أبو مسلم الخراساني انتصارات كبيرة، عندما قاد جيوش العباسيين، من خراسان، للإطاحة بالدولة الأموية، وحين عززت تلك الانتصارات ثقته بنفسه، وجعلته يطمع في منصب الخليفة العباسي، بعد أن أشاع بين الناس في خراسان أنه من نسل العباس (عم النبي)، وأنه هو “الخراساني” الذي يمهد لقدوم المهدي، ثم يبايعه، ويشاركه انتصارات آخر الزمان.

طبعاً، هذا “الخراساني” قُتل بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وانهارت لدى أتباعه فكرة “الخراسانية”، بعد أن ألقي برأس أبي مسلم إليهم، مع أكياس فيها دراهم معدودة، ألهتهم عن الثأر له، لتنتهي هالة القداسة برأسه يتدحرج بين أرجل جنوده.

ومعلوم أن الدولة العباسية قامت على “دعوة” سرية، وبحكم ظروف النشأة التي رافقتها، كان على قادتها إنشاء “تنظيم سري”، عالي الكفاءة، نجح في الإطاحة بالأمويين، بعد “دعوته للرضا من آل محمد”، وهي عبارة مواربة، كان غرضها إيهام العلويين بأن العباسيين يعملون لإعادة “الحق” إلى العلويين. وقد نجح هذا التنظيم في إقامة دولة، لكنه كرس فيما بعد فكرة “الحق الإلهي” التي تبناها العلويون، وبثُّوها في كثير من المذاهب الإسلامية المنضوية تحت مسمى “التشيع”، كما كرس العباسيون اللجوء للغيبيات وإسقاطها – بالتأويل السياسي – على أشخاص وطوائف مختلفة، لأهداف سياسية، وتحت مظلة الأفكار الخلاصية التطهرية.

وبما أن باب المهدوية والخراسانية انفتح فسيطالعنا في فترة أبي جعفر المنصور رجل علوي، هو محمد النفس الزكية، يتلقب أو يلقبه أتباعه بالمهدي، وكانت ثورته على العباسيين غير بعيدة عن “الفكرة المهدوية”، غير أن هذه الفكرة ذابت مع دمائه التي سفكت، إثر هذه الثورة. ومن هنا أراد المنصور أن يقطع كل دعوى بـ”المهدوية”، فلقب ابنه محمد بن عبدالله العباسي، بلقب المهدي، ليقطع الطريق على العلويين، ويحول بينهم وبين “المهدوية، كوسيلة للوصول للسلطة”، وليمهد بهذا اللقب لابنه، ليكون ولياً للعهد، ثم إمام المسلمين، وثالث خلفاء بني العباس.

واستمر – إلى اليوم – الاستثمار في الفكرتين “المهدوية والخراسانية”، إضافة إلى فكرة أخرى هي “اليمانية” التي تتحدث عن علامات “عصر الظهور” للإمام المهدي، حيث يخرج رجل يماني يرفع راية الثورة، وهذه الفكرة تم إسقاطها على حسين الحوثي قائد التمرد ومؤسس حركة الحوثيين، في اليمن، حيث ظل فريق من أتباعه، ومن الإيرانيين يعتقدون أنه سيقود الجيوش، نحو النصر ليلتقي المهدي، ويسلم له الراية، كما كان يطرح الواعظ الديني الإيراني علي الكوراني، مؤلف كتاب “عصر الظهور”.

ولم يفق أتباع الحوثي من هذه اللوثة الثيولوجية إلا على جثة حسين الحوثي التي لم تكن كافية لتذويب فكرة “اليماني الممهد”، حيث استمر الحوثيون يعتقدون الفكرة ذاتها في أخيه عبدالملك زعيم الحوثيين الحالي، الذي ورث الزعامة بعد حسين، ليستمر الاستثمار في الأفكار الغيبية المقصودة للتجييش، ولتخدير الجمهور، وقيادة القطيع، في تجل واضح لمقولات كارل ماركس عن “الدين أفيون الشعوب”، التي تنفتح على دلالات التوظيف المثيولوجي النفعي للأديان، من قبل تحالف الملوك ورجال الدين الذي حكم أوروبا في قرون خلت.

وقد استمر استثمار “المهدوية”، وغيرها من “الأفكار الخلاصية”، لأهداف سياسية لدى كثير من الطوائف الإسلامية، وعند كثير من الطامحين السياسيين، لتستمر تلك الأفكار مؤثرة في قطاعات واسعة من المسلمين، حتى اليوم.

وبالعودة إلى الحدث الأبرز اليوم، والمتمثل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نلحظ عودة الحديث عن الأفكار الخلاصية، ونهاية العالم، ليس لدى المسلمين وحسب، بل لدى كثير من المؤثرين الدينيين والعسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، إذ تطالعنا وسائل الإعلام بكم هائل من الأدبيات اليهودية والمسيحية التي تبشر باقتراب الخلاص، ومعركة “هرمجدون”، و”إسرائيل الكبرى”، و”بناء الهيكل”، ونهاية العالم، ونزول المسيح، وغيرها من الثيمات الثيولوجية في الديانتين.

وبغض النظر عن مدى صحة الروايات الدينية المنسوبة لأنبياء أو أئمة، فإن الإشكال يأتي من “التأويل السياسي”، لهذه المرويات، وهو التأويل الذي يحشد الناس للحرب، التي غالباً ما تنتهي، ليكتشف المروجون لروايات نهاية العالم، بأنه لم ينته بعد، وأن تأويلاتهم السياسية للمرويات الدينية ذهبت مع الريح، لتبقى الحقيقة الوحيدة، المتمثلة في حرائق الحروب، وآثارها المدمرة على الإنسان والبنيان، مع تربع حفنة من الانتهازيين الدينيين والسياسيين على السلطة، وحيازتهم للثروة، وسط كل هذا الخراب والدمار.

مقالات ذات صلة