
مراحل الحرب والبحث عن مفتاح النصر
جمال زحالقة
حرير- تتراكم المؤشّرات والدلائل على أن نتنياهو وترامب تورّطا في حرب يعجزان عن تحقيق أهدافها. ولتفادي التصاق وصمة الفشل بهما يلجأ الاثنان إلى تبديل الأهداف وتغيير صياغتها. فبعد أن أعلن نتنياهو أكثر من مرة أن أهداف الحرب الرئيسية ضد إيران هي: أوّلا، محو الخطر النووي؛ وثانيا، إزالة التهديد الصاروخي؛ وثالثا، إخماد «محور المقاومة»؛ ورابعا، تهيئة الظروف لإسقاط النظام في إيران. وبعد أن كرر وصف الخطر الإيراني بأنّه وجودي، وتهديد بإبادة الدولة اليهودية، غيّر، في مؤتمره الصحافي مطلع الأسبوع، الصياغات وقال: «لقد حققنا إنجازات هائلة، إنجازات تغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط وخارجه.. هذه الإنجازات تثبت مكانة إسرائيل كقوة عظمى أكثر من أي وقت مضى.. وهذا التغيير الجذري، في قوتنا مقابل قوة أعدائنا، هو المفتاح لضمان وجودنا. التهديدات تتزايد والتهديدات تتراجع، ولكن عندما نصبح قوة إقليمية، وفي مجالات معينة قوة عالمية، فإننا نمتلك القدرة على درء المخاطر وتأمين مستقبلنا».
تصريحات ترامب أيضا متقلبة ومتضاربة، ويعود ذلك إلى ثلاثة عوامل أوّلها، ميّزاته الشخصية المعروفة، وثانيها الصراعات بين التيارات المختلفة داخل الإدارة، وثالثها إعادة إدراك الواقع بتغيّراته المتسارعة.
أمّا التغييرات في خطاب نتنياهو، فهي تعود حصريا في السياق الحالي، إلى العامل الثالث، وإلى إدراكه أنه لا يستطيع تحقيق الأهداف التي وضعها، فقفز فوق «التهديد الوجودي الإيراني» نحو هندسة مكانة إسرائيل كـ»دولة عظمى» يخشاها أعداؤها. وهذا مفهوم «الدولة العظمى»، يفترض عادة وجود توازن ردع مع دول عظمى أخرى. وأوصله اندفاعه بنشوة القوة إلى جنون «الدولة المهيمنة»، التي يخشاها أعداؤها ولا تخشاهم. ومع أن سياق كلام نتنياهو هو تداعيات الحرب الثنائية على إيران، ومحاولته الالتفاف على أهداف الحرب، التي وضعها في البداية، فإن هذا لا يعني أنّها مجرد كلمات يقذفها في الفضاء لتشتيت الانتباه عن كلام آخر قاله وتعهّد به.
تحدّث نتنياهو عن شرق أوسط جديد جدّا، تكون فيه إسرائيل القوة العظمى المهيمنة. مشكلته أن إسرائيل لا تمتلك أهم مقوّمين للدولة العظمى، حتى على المستوى الإقليمي، وهما الثروة والسكّان، فهي دولة صغيرة الحجم وقليلة السكّان ومتواضعة الثروات. هنا يأتي الاستقواء بالإمبراطورية الأمريكية العظمى، للتعويض عن النقص في موارد «العظمة» في كيان الدولة الصهيونية. لكن توفّر السند الأمريكي لا يعني أن إسرائيل قادرة فعلا على أن تكون فعليا «دولة عظمى». فهي لن تكون كذلك إذا لم تسلّم دول وشعوب المنطقة بذلك.
لم يتخلّ نتنياهو عن الأهداف المعلنة للحرب، بل قد يجمّدها ليمهّد لإمكانية أن يعلن ترامب إنهاء الحرب، دون تحقيق الغايات الإسرائيلية، ما يعني أن تلحق بنتنياهو لعنة الفشل في الشارع الإسرائيلي وفي صناديق الاقتراع وفي كتب التاريخ. ويبدو أن انتهاء الحرب في مرحلة ما ليس ضمانة لعدم تجديدها لاحقا، خاصة أن جبهة حربية جديدة فتحت مؤخّرا وهي حرب إسرائيلية إيرانية متعددة الجولات والجبهات. منذ بداية الحرب، امتنع المتحدّثون باسم الجيش الإسرائيلي عن التطرّق إلى مسألة تغيير النظام في إيران، معتبرين ذلك قضية سياسية من اختصاص المستوى السياسي. وأكد هؤلاء مرارا وتكرارا أن الغاية العليا للحرب هي إزالة التهديدات على إسرائيل وعلى سكّانها. ووفق بعض التسريبات فإن تحقيق هذه الغاية يستند إلى استراتيجية إسرائيلية ـ أمريكية مكوّنة من ست مراحل:
الأولى: توجيه ضربة أولى قوية ومزلزلة واستهداف رأس هرم السلطة في إيران، ومع أن إسرائيل حققت هدف الاغتيال، إلّا أنها غير راضية عن الفشل في هزّ أركان النظام، حتى بعد سلسلة اغتيالات لا تتوقّف. والاستنتاج الإسرائيلي هو المزيد من الاغتيالات، حتى إن الأوامر الجديدة للجيش هي اغتيال قيادات إيران وحزب الله حين تلوح الفرص دون الرجوع إلى القيادة السياسية لأخذ الموافقة والمصادقة. لقد نجحت إسرائيل في تنفيذ ما تريد من اغتيالات، لكنّها أخفقت في الحصول على مبتغاها في إحداث انهيار ولو جزئي في النظام الإيراني.
الثانية: تدمير الصواريخ البالستية، التي يصل مداها إلى إسرائيل، (وليس الصواريخ قصيرة المدى التي تضرب الخليج) وسيطرة جويّة كاملة من خلال القضاء على الدفاعات الجوية الإيرانية. في السطر الأخيرة تجد إسرائيل صعوبة في طمأنة مواطنيها بأنّها قضت على 70% من القدرات الصاروخية الإيرانية، وهم يقضون الليالي ذهابا وإيابا إلى الملاجئ والغرف الآمنة خشية سقوط الصواريخ وشظاياها. ومهما يكن من أمر فإن القضاء على قدرة إيران، على المدى المتوسط والبعيد، على إنتاج صواريخ متطوّرة هو مهمّة قريبة من المستحيل.
الثالثة: تدمير بنى تحتية ومبان ورموز النظام، بما فيها مقار ومرافق تابعة للحرس الثوري وقوات الباسيج. وتدعي إسرائيل أنها قصفت بقوّة 2200 هدفا من هذه الأهداف. هذه الاستراتيجية التدميرية في تصعيد متواصل، وعلى الطريق استهداف واسع لمرافق الغاز والنفط بطرق متعددة. ويبدو أن الهدف ليس مستمدا من غايات الحرب المعلنة فقط، وهو مشتق أيضا من استراتيجية الجنون، التي تحاول إسرائيل تثبيتها عبر بث الشعور بأنها «دولة مجنونة» منفلتة لا تتورّع عن ارتكاب جميع الموبقات ضد من يتحداها أو يتصدى لها. ولكن، ومها قتلت إسرائيل ودمّرت فهي لن تستطيع تغيير سياسات دولة بحجم إيران عبر هذه الاستراتيجية.
الرابعة: استهداف الصناعة العسكرية، بهدف منع إمداد القوات العسكرية الإيرانية بالعتاد والأسلحة والذخائر، وعرقلة تجديد التسلح لسنوات طويلة، ونشرت مصادر إسرائيلية أن الطيران الإسرائيلي شن غارات كثيفة على 2600 هدف في الصناعة الحربية الإيرانية. قد تستطيع إسرائيل تحقيق أغراض هذه المرحلة بشكل جزئي ومؤقت، لكن إيران قادرة، بمرور الوقت، على تخطي هذه العقبة أيضا.
الخامسة: القضاء على المشروع النووي الإيراني هو هدف هذه المرحلة، التي تعتبر الأكثر أهمية والأشد خطورة. فهذا هو سبب أسباب الحرب والدافع المباشر لها. وفي لب الموضوع حوالي 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% والذي يمكن تخصيبه بسرعة إلى نسبة 90% ليصبح صالحا لصناعة سلاح نووي. لقد قامت إيران بتخزينه في مستودعات تحت الأرض في مواقع عديدة، بعضها غير معروف، وهناك احتمال أنها قامت بعملية تمويه في نشر كميات هائلة من أوعية التخزين الوهمية، ما يجعل الاستيلاء على الأوعية المقصودة أمرا صعبا للغاية. ومع أن الجيش الأمريكي أجرى تدريبات على مدى سنوات طويلة حول كيفية التعامل مع المواد المشعة، ورغم إقامة وحدة عسكرية خاصة بالاستيلاء على مواد نووية، إلا أن أي عملية كوماندوز، أو عملية عسكرية واسعة لسحب هذه المواد من الأيدي الإيرانية ستكون محفوفة بالمخاطر، خاصة وأن إيران استعدّت طويلا لمثل هذا السيناريو. ولعل هذه المرحلة هي مفتاح انهاء الحرب، لأن الاستحواذ على المواد المخصبة المقصودة سيمكن نتنياهو وترامب من إعلان النصر، وإن انتهت الحرب وبقيت المواد في مخازنها، فهذا سيكون بمثابة إعلان فشل الحرب.
السادسة: يأتي تفكيك «محور المقاومة» في المرحلة الأخيرة، لأن إسرائيل تنوي الاستمرار في استهدافه، حتى بعد انتهاء حرب العدوان الثنائي على إيران. ولكن إسرائيل لا تعرف كيف ستنتهي الحرب وبأي شروط، وعليه جرى اعتماد مجموع البدائل الاستراتيجية للتعامل مع حلفاء إيران في المنطقة. ومن المرجّح أن تحوّل إسرائيل، في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، مجهودها الحربي إلى لبنان وغزة، وربما إلى اليمن وحتى إلى العراق، فهي مهووسة اليوم بالحلول العسكرية، وصارت تزدري الاتفاقيات ومن يوقّعها معها.
حرب العدوان الثنائي على إيران هي حرب مدمّرة وقذرة، ونتائجها ستكون وخيمة على شعوب المنطقة قاطبة. والمصيبة أن إسرائيل لن تسعى لإنهائها قبل تهيئة الظروف لإعلان النصر. ويكمن ذلك في تحقيق إحدى غايتين: إما إسقاط النظام، وهذا مستبعد جدا، وإما الاستيلاء على المخزون النووي الإيراني، وهذه مهمة صعبة جدا ومحفوفة بالمخاطر. مشكلة نتنياهو أن استعادة دعم الشارع الإسرائيلي له يتعلق بتحقيق ما يشبه المستحيل في إيران، فإن هو لم يحقق غاية إسقاط النظام، أو القضاء على المشروع النووي الإيراني فهو سيضطر إلى توديع كرسي رئيس الوزراء.



