
إذا انتصر الأقوى… هل تنتهي الحروب؟
بقلم الإذاعي ،:شريف عبد الوهاب
في لحظات التوتر الكبرى التي يمر بها العالم، يعود سؤال قديم ليفرض نفسه من جديد: ماذا يحدث إذا انتصر الأقوى؟ هل تنتهي الحروب حقًا عندما تحسم القوة العسكرية المعركة، أم أن الحروب تبدأ أحيانًا بعد إعلان الانتصار؟
التاريخ الإنساني مليء بالحروب التي انتهت بانتصار طرف على آخر، لكن التاريخ نفسه يخبرنا أن الانتصار العسكري لم يكن دائمًا نهاية للصراع. فالحرب ليست مجرد مواجهة بين جيوش، بل هي صراع إرادات وأفكار ومصالح، وغالبًا ما تمتد آثارها إلى ما بعد توقف المدافع.
حين يتحدث العالم عن احتمال انتصار قوة كبرى مثل الولايات المتحدة في صراع مع دولة إقليمية مثل إيران، فإن البعض يتصور أن الأمر قد ينتهي سريعًا بمجرد حسم المعركة عسكريًا. غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة.
فالانتصار العسكري قد يحقق أهدافًا مباشرة: إضعاف القدرات العسكرية للخصم، أو تعطيل مشروع استراتيجي مثل برنامج نووي، أو فرض واقع سياسي جديد. وقد يبعث برسالة قوة إلى العالم مفادها أن ميزان القوة ما زال يميل إلى طرف بعينه.
لكن السؤال الأهم ليس من ينتصر في المعركة، بل ماذا يحدث بعد الانتصار.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن إسقاط قوة عسكرية أو إضعافها لا يعني بالضرورة استقرار المنطقة. ففي كثير من الأحيان تفتح الحروب أبوابًا جديدة للصراعات غير التقليدية: حروب بالوكالة، أو صراعات داخلية، أو توترات سياسية تمتد لسنوات طويلة.
كما أن الانتصار العسكري قد يخلق فراغًا في التوازنات الإقليمية، وهذا الفراغ غالبًا ما يدفع قوى أخرى إلى محاولة ملئه. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من التنافس والصراع، قد تكون أقل وضوحًا لكنها لا تقل تأثيرًا.
ومن زاوية أخرى، فإن الشعوب هي التي تدفع في النهاية الثمن الأكبر لأي حرب، بغض النظر عن هوية المنتصر. فالحروب تعني دمارًا اقتصاديًا، وتراجعًا في التنمية، وضغوطًا اجتماعية تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
ولهذا لم يعد مفهوم “الانتصار” في الحروب الحديثة كما كان في الماضي. فالمعارك قد تُحسم، لكن الصراعات السياسية والفكرية قد تستمر. وقد يتحقق نصر عسكري واضح، لكنه لا ينجح في تحقيق السلام الذي ينتظره الناس.
ولعل الدرس الأهم الذي تعلمه العالم عبر عقود طويلة من الصراعات هو أن القوة قد تحسم لحظة من التاريخ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبلًا مستقرًا.
فالسلام الحقيقي لا يُبنى فقط على توازن القوة، بل على توازن المصالح، وعلى القدرة على تحويل الصراع إلى حوار، والمواجهة إلى تفاهم.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا: إذا انتصر الأقوى… هل تنتهي الحروب؟
ربما تنتهي معركة، وربما تتوقف المدافع لبعض الوقت، لكن التاريخ يقول إن نهاية الحروب الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يكتشف الجميع أن كلفة الصراع أكبر من أي انتصار
بقلم الإذاعي ،:شريف عبد الوهاب
رئيس الشعبة العامة للاذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب .



