الخطاب الذي أبقى نيران الحرب مشتعلة

د. صبري صيدم

حرير- لم يكن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعلانه للحرب على إيران مجرد إعلان عسكري عابر، بل كان لحظة مفصلية حساسة، أعادت توصيف التفاصيل الميدانية، ودفعت الحرب نحو المزيد من الاشتعال والتصعيد والاستدامة، خاصة بعد أن أعتقد ترامب أن الحرب لن تكون إلا تجربة خاطفة، تماماً كما سرعة البرق، التي واكبت اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو. سرعة الاختطاف المذكورة فاقت توقعات ترامب، فزادت من هورمون غروره وأنزيمات قناعته، بأنه يمتلك قدرة خارقة لا يضاهيها أحد.

ترامب المسكون بعقليته «الطرزانية»، خرج عن النص وارتجل وتباهى وصال وجال، حتى وصل إلى محطة حساسة تمحورت حول ما سماه بالهدف الاستراتيجي الأسمى لحربه، ألا وهو تغيير نظام الحكم في إيران، وهو هدف لم يكن ليُقرأ في طهران وسط الطبقة الحاكمة إلا باعتباره إعلاناً مفتوحاً لمعركة وجود لا تقبل أنصاف الحلول إطلاقاً.

طرح كهذا لم يترك مجالاً أمام ملالي إيران للمناورة السياسية، أو التهدئة المرحلية، بل وضع حكام طهران أمام خيار وحيد: الصمود حتى النهاية، أو الفناء المحتوم. من هنا، لم يكن مستغرباً أن تتماسك منظومة النظام الإيراني، وأن توزع قدراتها العسكرية، وتوسع قاعدتها القيادية التي تعوض من يقتل من أركانها بصورة فورية وفعلية، إضافة إلى تعبئة داخلية شاملة، تفّعل أنصار النظام وأركانه الرسمية والشعبية، مستندة إلى معادلة حادة ومباشرة: إما البقاء أو الفناء ضمن مفهوم «عليّ وعلى أعدائي». هذا المفهوم والقاعدة الحازمة معنوياً، تتحولان إلى نهج صارمٍ للحرب، ومسارٍ واضح لسلوك دولة كإيران وأنظمتها، خاصة عندما تشعر بأن وجودها ذاته بات مستهدفاً. لكن ارتجال ترامب لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب إلى ما هو أخطر من ذلك، خاصة عندما أشار إلى قرار منح الشعب الإيراني «فرصة» الانقضاض على الحكم. هذه العبارة، التي قد تبدو في ظاهرها دعوة للتحرر، حملت في جوهرها بذور خوف عميق داخل المجتمع الإيراني، الذي شهد نتاجات الربيع العربي، التي حولت الانقضاض على السلطة وإسقاط الأنظمة تحت ضغط خارجي، إلى فوضى عارمة، قادت نحو تفكك الدولة بدل إعادة بنائها. هنا، تبلور الرعب الرئيسي لدى الإيرانيين، وهو الخوف من الانزلاق نحو سيناريوهات التفكك والانقسام والحرب الأهلية ونزاع الأقليات، لينصب الجهد الشعبي على رفض قاطع لتحول الدولة إلى ساحة صراع داخلي، تتنازعها القوى الإقليمية والدولية. أما الخوف الثاني، فكان أكثر تعقيداً وارتباطاً بالسيادة، إذ تساءل كثيرون: من يا ترى سيأتي بعد هذا النظام؟ وهل سيكون قادراً على تمثيل الإرادة الوطنية؟ أم سيكون نتاج وصاية أمريكية إسرائيلية واضحة قائمة على معادلات مفروضة من الخارج، تجعله أقرب إلى التبعية منه إلى الخلاص والانفكاك من عصر الملالي؟

في هذا السياق، لم يعد خطاب الرئيسي الأمريكي مجرد موقف سياسي مرتجل، بل أصبح عاملاً حاسماً في توحيد الداخل الإيراني ضد المواجهة الداخلية والتفكك السياسي، حتى بين أوساط أولئك الذين يختلفون وبقوة مع النظام. فحين يتحول الهدف إلى تهديد وجودي، فإن الخلافات الداخلية تتراجع لصالح شعور جماعي بالخطر، وتبرز النزعة القومية كعامل جامع غير معلن يتفوق على ما سواه.

وهكذا، بدل أن يؤدي إعلان الحرب إلى إضعاف النظام، ساهم ارتجال ترامب وسطحيته، من دون أن يعرف، إلى تعزيز تماسك المجتمع الإيراني وعدم انزلاقه المباشر نحو المواجهة الداخلية الميدانية، وهو ما غيّر نسق الحرب من معركة ضد نظام إلى معركة ضد كينونة البلد وتماسكه. فالحروب لا تشتعل فقط بالدبابات والصواريخ والغواصات، بل بالمواقف والنوايا أيضاً، إضافة إلى الحماقات التي تُصاغ بلا حساب والتي قد تتحول إلى فتيل دائم لنيران لا تنطفئ.

إن قراءة متأنية لمشهد الحرب، تكشف أن عقلية الغطرسة القائمة على فرض الإرادة بالقوة، غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، لأنها تقود نحو تعقيدات مجتمعية، واختلال التوازنات الداخلية، وتجدد المخاوف التاريخية، التي لا يمكن تجاوزها ببيان سياسي، أو تهديد عسكري. ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس فقط صراعا على الأرض، بل صراعا على كل معاني وسرديات البقاء، حيث يتحول الخطاب نفسه إلى سلاحٍ انشطاري لا يقل خطورة عن أي سلاح آخر.

مقالات ذات صلة