
سقوط رأس ام تهشيم المرآة
عماد عيساوي
إننا اليوم لا نتحدث عن سقوط رأس في طهران بل نتحدث عن تهشم المرآة التي عكست وجه الشرق الأوسط طيلة نصف قرن فنحن أمام مشهد جنائزي لا يشبه الجنازات بل هو إعلان صريح عن انتحار الجغرافيا في مواجهة التاريخ حيث قررت تل أبيب في لحظة جنون تلمودي أن تقفز فوق أسوار الصبر الاستراتيجي لتطعن قلب الإمامة السياسية في مقتل متوهمة أن قطع رأس الأفعى سينهي الرقصة بينما الحقيقة الصارخة أننا أمام أفعى أيديولوجية تمتص قوتها من دمائها المهدورة.
هذا الاغتيال ليس مجرد عملية تصفية جراحية بل هو زلزال بنيوي سينقل النظام الإيراني فوراً من مرحلة الدولة التي تقود الثورة إلى مرحلة الثورة التي تبتلع الدولة
حيث ستختفي الدبلوماسية الناعمة والبراغماتية التي كان يوازنها خامنئي بشعرة معاوية لتصعد مكانه دكتاتورية السيف”ط المتمثلة في الحرس الثوري الذي لا يؤمن بالحدود ولا بالاتفاقات الدولية بل يؤمن فقط بالمقصلة كأداة وحيدة للحوار مما يعني أننا دخلنا فعلياً في عصر الفوضى المقدسة التي لن تبقي ولن تذر حيث ستتحول أذرع إيران من ميليشيات تضبط إيقاعها طهران إلى ذئاب منفردة مسلحة بصواريخ بالستية ومسيرات انتحارية تبحث عن الثأر في كل زاوية من زوايا الكوكب دون اكتراث لتبعات دمار العواصم
أو انهيار أسواق النفط لأن الشهادة في العقلية الشيعية المحضة التي يتشربها هؤلاء هي الانتصار الأسمى
والرد لن يكون صواريخ تسقط في الصحاري بل سيكون إعادة هندسة للنار في المنطقة برمتها تبدأ بإغلاق الممرات المائية وتمر عبر تفجير الساحات الداخلية للدول الحليفة لواشنطن وصولاً إلى تحويل إسرائيل إلى ثكنة محاصرة تعيش تحت مطر من الجحيم لا يتوقف فالغرب الذي يصفق اليوم لنجاح المخابرات الإسرائيلية هو غبي بما يكفي لعدم إدراك أنهم قتلوا الرجل الذي كان يمنع الانفجار الكبير وبغيابه انفتح صندوق «الطماطم» الجيوسياسي الذي سيخرج منه وحش نووي لا يردعه رادع إذ أن الحديث عن
الخلايا النائمة التابعة للحرس الثوري في العواصم الغربية ليس ضرباً من ضروب الخيال السينمائي بل هو استحقاق جيوسياسي مؤجل فإذا ما سقط المرشد فإننا أمام بروتوكول القيامة الذي صُمم في أقبية فيلق القدس طيلة أربعة عقود حيث ستتحول هذه الخلايا من وضعية
الكمون الاستراتيجي إلى وضعية الافتراس الشامل إذ لا تتعامل طهران مع أتباعها في الخارج كأدوات تجسس تقليدية بل كألغام بشرية وأذرع أيديولوجية زرعت في أحشاء المدن الأوروبية والأمريكية تحت مسميات مراكز ثقافية وجمعيات خيرية وشركات تجارية وهمية .
واليوم، وبغياب بيضة القبان ستنقطع كوابح العقل وتنفلت الكلاب المسعورة للاستخبارات الإيرانية لضرب العصب الحساس للأمن القومي الغربي عبر أهداف رمزية وبنى تحتية حيوية تكسر هيبة السيادة الغربية كتعطيل شبكات الكهرباء والماء عبر حرب سيبرانية انتحارية تتزامن مع تفجيرات في مراكز القرار المالي والسياسي لإيصال رسالة واحدة مفادها أن ثمن الرأس الإيراني هو الاستقرار الغربي بأسره.
نحن بصدد مواجهة إرهاب دولة منظم لا يعترف بالحدود حيث سيتحول الملحقون العسكريون في السفارات إلى قادة ميدانيين يديرون عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وفكرية غربية دعمت الكيان الصهيوني.
وفي هذه اللحظة ستكتشف أجهزة المخابرات الغربية حجم العمى الاستراتيجي الذي تعيش فيه إذ أن هذه الخلايا ليست مجموعات معزولة بل هي شبكة عنكبوتية متداخلة مع عصابات الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية وشبكات التهريب في أفريقيا مما يجعل تتبعها مستحيلاً.
وهذا يعني أن شوارع باريس ولندن وبرلين ستتحول إلى ساحات خلفية لتصفية الحسابات الإيرانية حيث سيصبح المواطن الغربي رهينة لقرار اتُخذ في تل أبيب بينما النظام الإيراني الجريح الذي لم يعد لديه ما يخسره سيسعى لتحويل العالم إلى كربلاء كبرى محطماً أسطورة
الأمن القومي التي يتبجح بها الغرب فالاغتيال لم يقتل خامنئي الفرد بل أطلق العنان لشبح القيادة الذي سيطارد الغرب في عقر داره عبر عمليات لا تهدف للنصر العسكري
بل تهدف للإنهاك الوجودي وضرب الثقة بين المواطن ودولته مما سيؤدي حتماً إلى صعود تيارات اليمين المتطرف والصدام الداخلي في تلك العواصم وهو بالضبط ما تريده إيران في خطتها الأخيرة: إذا سقطنا فليسقط الهيكل على رؤوس الجميع.
وهذا هو الجحيم الذي لم يتحسب له أحد في غرف العمليات الإسرائيلية أو الأمريكية حيث الرصاصة التي قتلت المرشد هي الرصاصة التي فجرت الاستقرار العالمي في قلب عواصم الرفاهية وما هو أخطر من ذلك كله هو أن غياب خامنئي سيعطي الضوء الأخضر للوصية الأخيرة غير المعلنة وهي الانتقال الفوري من العتبة النووية إلى التفجير النووي كخيار بقاء وحيد حيث ستعتبر طهران أن قواعد اللعبة القديمة قد دُفنت مع المرشد وأن امتلاك سلاح القيامة هو الرد الوحيد الذي يضمن ألا يجرؤ أحد على تكرار هذه الحماقة لتصبح إيران قوة نووية انتحارية وليست ردعية فقطمما يضع البشرية أمام مفترق طرق لم تشهده منذ أزمة الصواريخ الكوبية.
ففي هذه اللحظة الفارقة من عمر الكون يبدو أن النظام الدولي الذي نعرفه قد وُضع على المقصلة بجانب جثة خامنئي لأن القادم ليس حرباً كلاسيكية بل هو تسونامي أيديولوجي سيمسح خرائط ويرسم أخرى بالدم والبارود
في ظل صمت روسي صيني يترقب جثة الإمبراطورية الأمريكية وهي تغرق في رمال الشرق التي أصبحت الآن حمراء قانئة فلا عزاء للمراهنين على الهدوء لأننا بصدد مشاهدة الفصل الأخير من مسرحية الاستقرار الهش حيث الرصاصة التي أصابت طهران هي نفسها التي أطلقت رصاصة الرحمة على أمن العالم بأسره ولم يعد أمامنا سوى انتظار الدخان المتصاعد من رماد النظام العالمي القديم.
الأستاذ عماد عيساوي



