
هل وقعت أوروبا في متلازمة ترامب؟
د. جيرار ديب
حرير- قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في يناير الماضي، إن «أوروبا وفنلندا بحاجة إلى الاعتراف بأن الولايات المتحدة تتغير، وبأن أيديولوجية الإدارة الأمريكية التي تقف وراء سياستها الخارجية تتعارض مع قيمنا».
ما قاله ستوب، يوضح عمق «الرُهاب» الأوروبي تجاه العلاقة المتوترة مع واشنطن، ما يؤكد جدية الأزمة التي تعيشها دول أوروبية تجاه تحديات أمنية واقتصادية سببتها سياسات ترامب، ما جعل البعض يتساءل، إن كانت أوروبا فعلا أصيبت بـ»متلازمة ترامب»؟
فمصطلح «متلازمة»، تعني في الطب أو علم النفس، مجموعة من الأعراض، أو العلامات التي تظهر معا بشكل متكرر وتشير إلى حالة أو مرض معين، أليس هذا ما ينطبق على الحالة الأوروبية اليوم؟ تحتاج أوروبا أكثر من أي وقت على إحداث حالة الطلاق مع أمركيا، فالرئيس ستوب توقف عند اختلاف القيم الديمقراطية، وفي هذا دلالة إضافية على أن فصل المسار والمصير بين الحلف الغربي بات ملحا. وهذا ما حذّر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكورن، في واحدة من أكثر تصريحاته جرأة على الإطلاق، حيث شن الثلاثاء 10 فبراير، هجوما عنيفا على الولايات المتحدة، واصفا إدارتها الحالية بأنها «معادية لأوروبا بشكل علني»، وتسعى إلى تفكيك تكتّلها المؤلف من 27 دولة. قبل عام، أي في فبراير 2025، كان الأوروبيون يستمعون مذهولين لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ الأمني، وهو يعبّر عن ازدراء واشنطن لحلفائها القدامى، ثم جاءت المفاوضات الجمركية المهينة لتؤكد ذلك، تلك التي أجرتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين صيف 2025، والتي اعتبرها كثيرون إذلالاً عالميا لأوروبا.
لم تكتف «متلازمة ترامب» في وضع الأوروبيون أمام حالة «قلق الانفصال عن الولايات المتحدة»، لكنها وضعتها أمام خوف «المصير» من أحلام روسيا التوسعية في القارة العجوز، ويعتبر البعض، أن ترامب ينصب الأفخاخ للإيقاع بأوروبا في احضان الحرب المباشرة مع روسيا، إذ إن المطالبة بضمّ جزيرة غرينلاند من قبله، ليست سوى «فقاعة» إعلامية، تهدف إلى تعزيز عسكري أوروبي في تلك الجزيرة، ما يثير قلق روسيا، فترفع راية الحرب بوجه أوروبا. لهذا لم يتفاجأ البعض مما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء 11 فبراير الجاري، الذي يصبّ في هذا التوجه، من أن موسكو ستتخذ «تدابير مضادة»، بما فيها تدابير عسكرية، إن عزز الغرب وجوده العسكري في غرينلاند. لم تشهد غرينلاند قبل عام هذا الزخم الدبلوماسي والعسكري، إلا بعد أن وجه إليها ترامب اتهاما بالتساهل في «التعمية» عن الحضور الصيني والروسي. فـ»نقل الصدام العسكري» مع روسيا من شرقي أوروبا إلى قطبها الشمالي بات واردا، في ضوء عدم التمكن الأوروبي من معالجة الأزمة الأوروبية، مع التمدد الروسي جغرافا، والتشدّد دبلوماسيا في فرض شروط وقف القتال، وسط عجز أوروبي، وحيادية أمريكية.
لا نقاش في أن ما تعيشه أوروبا من «متلازمة ترامب»، التي تتلخص في أن يعيش المصاب بها حالة «من عدم اليقين من ضبط السلوك والتصرف». في ترجمة توضيحية لهذه المتلازمة، يتّضح حال زعماء أوروبا، الذين يعيش أغلبهم حالة من عدم اليقين بشأن التصرف تجاه واشنطن، بعد سلسلة من التصاريح والتصرفات التي يقوم بها ترامب، وتعتبر مهينة أو تعنيفية بحق الاتحاد الأوروبي عامة.
«تكتيك» سياسي تتّبعه إدارة الرئيس ترامب بحق الدول الأوروبية، من خلال استغلالها حالة التخبط لأخذها إلى «بيت الطاعة»، كما كان الحال في الحرب البادرة. فالعجز الأوروبي عبّر عنه الأمين العام لحلف النات، مارك روته، في نهاية يناير الماضي، من أن «أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة».
تسعى أوروبا للانفصل عن الولايات المتحدة، إلا أنّها تدرك أنها لا تملك مقومات الانفصال، إذ تقف عاجزة عن الدفاع عن أوكرانيا أمام التقدم الروسي، بل تحتاج إلى المظلة «النووية الأمريكية» بعدما رفضت عرضا فرنسيا بذلك.
التخبّط الأوروبي تبلور في صناعة حليف جديد له من خارج الدائرة الموثوقة، لهذا تراه يوقّع الاتفاقيات مع الهند والصين، على حدّ السواء. كذلك يعمل على اعادة صياغة اتفاقيات شراء الطاقة والغاز من الولايات المتحدة، في مسعى غير مضمون لاستبدالها بامدادات عربية، في إطار البحث عن تنويع المصادر، ومن زاوية مختلفة تعمل على «فكّ الارتباط» بالولايات المتحدة كما صرّح مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنس.
«الإرث» الأمريكي ثقيل على ما يبدو على الأوروبي، وقد بدأ بعد الموافقة على «خطة مارشال» عام 1948، تلك المبادرة التي لم تعمل علىإنقاذ أوروبا من براثن السوفييت فحسب، بل عملت على «قولبت» الفكر الأوروبي والذهنية بما يتناسب مع السياسة الأمريكية. لهذا فإن حالة التخلص من الهيمنة الأمريكية جعلت الأوروبي يعيش الاضطراب النفسي، الذي انعكس على أكثر من أداء سياسي، ما سمح للبعض للحديث عن «متلازمة ترامب» وما تظهره من عوارض قد تؤدي إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، فهل من علاج قبل الوقوع في الكارثة؟



