
الهدنة في السودان: من الاستجابة العاجلة إلى السلام المستدام
د. الشفيع سعيد
حرير- أيامٌ معدودات تفصل حرب السودان عن إكمال عامها الثالث، مستمرةً بلا هوادة في تجلياتها المأساوية من انتهاكات وجرائم بشعة، ودمار البنية التحتية للصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وعودة الانتماءات الضيقة لتتفوق على الانتماء للوطن، وتصاعد نعرات التخوين والكراهية والعنصرية، وابتزال الخطاب السياسي، وانحدار لغة الحوار عند البعض إلى مستنقع فاحش القول والكتابة المأجورة.
صحيح هذا المشهد في جوهره هو بالفعل إعادة إنتاج لذات الحلقة الشريرة بجذورها الضاربة في عمق التربة التاريخية، حيث أزمة الحكم والهوية والتنمية، الممتدة منذ الاستقلال، ولكنه هذه المرة يأتي مجسدا لكارثة غير مسبوقة، ضحاياها السكان المدنيون الذين يدفعون الثمن الأكبر، ويبدو فيها السودان كدولة تعيش لحظة تفكك وجودي. وفي خضم هذا الواقع الأليم، حيث يجلجل زئير البنادق وتنطفئ أضواء الحياة، تتعالى الأصوات متصارعة بين مؤيد للهدنة ومطالب بها باعتبارها استجابة ضرورية عاجلة لكارثة إنسانية متفاقمة، تتجاوز حدود المعاناة لتلامس مفهوم الوجود الإنساني ذاته، وبين رافض لها يراها حلقة جديدة من حلقات مؤامرة دولية ضد السودان ومجرد تكتيك سياسي ومناورة خادعة لتثبيت الوضع على الأرض ولالتقاط الأنفاس واستقدام التعزيزات استعدادا لتوجيه ضربة جديدة.
التجارب تقول إن الهدنة في الحروب ليست غاية في حد ذاتها، ولكنها تحقق هدفين: استجابة لعلاج الكارثة الإنسانية، ومدخل ضروري وحاسم لبناء جسر نحو وقف شامل ودائم لإطلاق النار. بالنسبة للهدف الأول، فمنذ اندلاع الحرب في 2023، تحولت حياة ملايين السودانيين إلى جحيم لا يطاق، والوظيفة الأولى والأكثر إلحاحاً للهدنة هي إتاحة المجال لإنقاذ الأرواح. فالمستشفيات تعمل خارج الخدمة أو خرجت منها تماماً، وتفتقر إلى الكوادر والأدوية والمستلزمات الجراحية. والهدنة تسمح بمرور قوافل الإغاثة الطبية، وإجلاء الجرحى والمرضى، وإعادة تأهيل المرافق الصحية بشكل مؤقت على الأقل لتتمكن من استقبال الحالات الحرجة. والهدنة هي السبيل الوحيد لمنع حدوث كارثة غذائية شاملة قد تودي بحياة الملايين، خاصة في المناطق المتأثرة بالقتال، حيث تعطل الموسم الزراعي، ودمرت الأسواق، وتقطعت سلاسل الإمداد الغذائي. وبالإضافة إلى حماية الفئات الأكثر ضعفاً وتضررا، الأطفال وكبار السن والنساء والمرضى، فإن الهدنة توفر نافذة أمان تمكن المنظمات الدولية من الوصول إليهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والحماية من مخاطر العنف والاستغلال، كما تسمح بلم شمل العائلات التي فرقتها المعارك. إن الكارثة الإنسانية في السودان لا تنتظر حلولاً سياسية طويلة الأمد؛ فهي تنزف كل دقيقة. لذلك، فإن أي هدنة، مهما كانت قصيرة، تمثل استجابة فورية لصوت الضمير الإنساني، وتحولاً من حالة اللامبالاة الدولية إلى تحمل المسؤولية الأخلاقية.
أما بالنسبة للهدف الثاني، فإن الهدنة تتجاوز الاستجابة الإنسانية كدافع أخلاقي مباشر، لتكون الخطوة الأولى على طريق طويل وشاق نحو السلام. إنها تمثل «الوقود» الذي يبقي محرك الدبلوماسية قيد التشغيل. ففي أتون النزاعات، تسود لغة السلاح ويسود الاتهام المتبادل بانعدام الثقة. والهدنة الإنسانية الناجحة، التي تلتزم بها جميع الأطراف، تشكل أول اختبار جدي للنوايا. فهي تخلق بيئة مواتية للحوار، حيث تثبت الأطراف من خلال الأفعال وليس الأقوال فقط، قدرتها على الالتزام بوقف العدائيات. وهذا الإنجاز الصغير يمكن أن يكون حجر الأساس لبناء ثقة أكبر. والهدنة تخلق «منطقة صمت» تسمح للقادة بالتفكير بهدوء بعيداً عن ضغط العمليات العسكرية. كما تمكن الوسطاء والمبعوثين الدوليين من التحرك بحرية أكبر بين الأطراف لبحث السبل الكفيلة بوقف دائم لإطلاق النار وتهيئة المناخ للحوار السياسي. وبينما الحروب تولد منطقاً داخلياً للعنف، حيث يصبح الرد على الهجوم ضرورة للبقاء، فإن الهدنة تكسر حلقة العنف وتوفر مساحة للتنفس، ولو مؤقتاً. وهذا التوقف يسمح للمجتمع المدني والقوى السياسية المدنية وقادة الرأي بالتحرك والمطالبة بالسلام، ويمارس ضغطاً شعبياً على أطراف القتال للاستمرار في طريق إسكات البنادق بدلاً من العودة إلى القتال. لكن، تبقى الهدنة الإنسانية مجرد مسكن مؤقت المفعول ما لم تتبعها عملية سياسية شاملة تعالج الأسباب العميقة للنزاع. ونجاح الهدنة في خلق بيئة أكثر استقراراً وأمناً هو ما يتيح الانتقال إلى النقاشات الصعبة حول تفاصيل القضايا المتعلقة بمستقبل الدولة السودانية، من إصلاح أمني وبناء جيش واحد موحد، وقضايا شكل الحكم والتنمية العادلة والهوية…الخ.
ومن زاوية أخرى، فإن الدروس العملية المستخلصة من النزاعات والحروب في مختلف المناطق حول العالم، وكذلك من تجربة الاتفاق الموقع في منبر جدة في بدايات حرب السودان الراهنة، تؤكد أن أي هدنة
لن تكون ذات قيمة ولن تصمد إلا إذا صاحبتها مجموعة من الآليات الفعالة، والمجربة، مثل: مراقبة وقف إطلاق النار بواسطة قوات دولية محايدة، ممرات إنسانية آمنة مع ضمانات حماية دولية، عقوبات مستهدفة على الأطراف التي تعرقل وصول ومسارات المساعدات، وحوار مجتمعي محلي يضمن مشاركة السكان المحليين في تصميم آليات الحماية. إن الاستجابة العاجلة للكارثة الإنسانية في السودان، هي التي تمنح الهدنة شرعيتها الأخلاقية، بينما كونها مدخلاً لوقف شامل لإطلاق النار هو الذي يمنحها قيمتها الاستراتيجية. أما الفشل في اغتنام فرصة الهدنة، فيعني إستمرار محنة الملايين من السكان المدنيين والتخلي عنهم لمصيرهم المحتوم، وتوسيع رقعة الدمار، وتحويل الأزمة السودانية من أزمة يمكن احتواؤها إلى صراع طويل الأمد يصعب إنهاؤه، وستكون تداعياته وخيمة على السودان والمنطقة بأكملها.
إن جوهر الهدنة في السودان هو فهم عميق لطبيعة الأزمة التي تعصف بالبلاد، فهي مأساة إنسانية قبل كل شيء. والهدنة في الوقت نفسه فرصة تاريخية لا تعوض، لأنها تمثل اللحظة التي يمكن فيها تحويل المسار من الارتطام بصخور الدمار إلى الإبحار في محيط شائك، ولكنه أقل فتكا،ً نحو مستقبل مجهول. صحيح هي ليست حلاً سحرياً، ولكنها في السودان اليوم، تعتبر الشرط الوحيد للبدء في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.



