سوريا «الأموية» والأخطار التي تهددها

رياض معسعس

حرير- تاريخ سوريا الناصع يتمثل بالدولة الأموية، التي تم تأسيسها على يد الصحابي وكاتب الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) معاوية بن أبي سفيان في 661 وانتهت في 750، حيث استطاع الأمويون بناء الدولة الإسلامية الأقوى في العالم حينها، وحولوا دمشق إلى عاصمة عالمية، ومنها تم تشييد الاندلس الإسلامية في 711 ولغاية 1492، التي أنشأت أكبر حضارة عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، ومنها استقى ونهل الأوروبيون من علومها لبناء حضارتهم.

بقيت سوريا أموية، رغم مرور الكثير من الامبراطوريات عليها. في دمشق يبقى المسجد الأموي الذي شيده الوليد بن عبد الملك الرمز الأبرز للحقبة الأموية، (وهناك مسجد مشابه في حلب، ومسجد الصخرة في القدس)، وقصر الحير الذي بناه هشام بن عبد الملك في البادية السورية (وقصر هشام في أريحا في فلسطين)، وهناك ضريح معاوية، وضريح الخليفة عمر بن عبد العزيز.

وتعتبر دمشق مركز الإسلام السني، ففي دمشق بنى صلاح الدين الأيوبي قلعة دمشق ودفن فيها ومنها انطلق لتحرير القدس الشريف وإسقاط الدولة الفاطمية في القاهرة، والانتصار على الصليبيين في معركة حطين، وتم تشييد ساحة الأمويين في العصر الحديث، التي تعتبر أكبر ساحة في دمشق.

في الثامن من ديسمبر يوم سقوط الأسد، توجه الرئيس أحمد الشرع إلى الرمز الأموي الأول في دمشق (المسجد الأموي) وهناك ألقى كلمته الأولى بعد هزيمة جيش المخلوع وهروبه، وانطلقت المظاهرات المؤيدة له ولإسقاط النظام البائد في ساحة الأمويين الرمز الأموي الثاني.

هذا التغيير المفاجئ في سوريا، الذي تم في أيام معدودة على الأصابع بعد 54 سنة من حكم «علوي» جاهر بأنه «أبدي»، أحدث تغييرا جذريا على المستوى الداخلي والإقليمي، بين نظام مهزوم، وأنظمة خاسرة، وأخرى حققت مكاسب، وقوى تبحث بكل الوسائل عن إسقاط النظام الجديد، إذ لا تزال هناك قوى تؤجج الصراع في سوريا وعلى سوريا. ففي الداخل استيقظت المشاريع الطائفية مستغلة مصالح دول خارجية للتآمر معها على تجزيء سوريا على أساس طائفي، متذرعة بمظلوميات كاذبة مختلقة، لا أساس لها من الصحة لكسب عطف وتأييد قوى دولية. ففي الجنوب السوري يعمل قسم من طائفة الموحدين بزعامة حكمت الهجري بإنشاء ما سماه «دولة باشان»، وتشكيل ميليشيا «الحرس الوطني» التي تضم مجموعة كبيرة من فلول النظام السابق، بدعم من دولة الاحتلال الإسرائيلي، الذين تحصنوا في جبل العرب، بعد سقوط النظام البائد، وكشفت وثائق، أن الهجري كان يتعامل مع الاحتلال حتى قبل سقوط نظام المخلوع. يعارض هذه الحركة كل الدروز المناوئين للهجري، منهم زعماء روحيون وكتاب وصحافيون وقادة رأي، يرون أن الهجري يجر الطائفة إلى أمور لا يحمد عقباها. ولا يرون مستقبل الطائفة إلا في كنف سوريا الواحدة الموحدة، وليس مع العدو الإسرائيلي، خاصة أن الطائفة الدرزية لها تجمعات أخرى في أنحاء سوريا كجرمانا وأشرفية صحنايا وسواهما، ومتفرقة أيضا في جميع المدن السورية. في الشمال السوري حيث تتمركز الطائفة العلوية (النصيريون)، ينادي الزعيم الروحي غزال غزال بالحماية الدولية والحكم الفيدرالي العلماني، ويحرض أتباعه على إثارة الفوضى، كما حصل مؤخرا في اللاذقية وطرطوس، وكشفت وثائق دامغة أن أذيال النظام الهاربين والموجودين في روسيا ولبنان والعراق، ومتخفين في الداخل السوري، يخططون لقلب نظام الحكم في سوريا عبر تشكيل ميليشيات يترأسها سهيل الحسن الضابط السابق الذي أجرم بحق السوريين، وغياث دلة الضابط السابق في الفرقة الرابعة، التي كان يترأسها ماهر الأسد، ورئيس المخابرات العسكرية السابق كمال الحسن بتمويل من ابن خال بشار الأسد رامي مخلوف.

هذه العملية المؤامرتية تختلف عن مشروع «دولة باشان» بأنها تخطط للصدام مع الجيش السوري «لاستعادة الحكم وكرامة الطائفة العلوية»، كما يدعون بزعامة «المخلص رامي مخلوف» بدعم من إيران، التي تمول وتؤمن حماية الفلول في لبنان تحت حراسة حزب الله، والميليشيات الموالية في العراق، وقد عرضت قناة «الجزيرة»، ووكالة رويترز، الكثير من الوثائق والحقائق حول هذه المؤامرة على النظام الحالي في سوريا. في شمال شرق سوريا، حيث تتمركز قوات سوريا الديمقراطية الكردية «قسد»، وتحتل ربع مساحة سوريا وتسيطر على مقدرات المنطقة من حقول النفط والزراعة، وتطالب باستقلال ذاتي (وهي مدعومة من الجيش الأمريكي)، ورغم أن القائد العسكري مظلوم عبدي، كان قد وقع اتفاق العاشر من آذار/مارس مع الرئيس أحمد الشرع، إلا أن هذا الاتفاق بقي حبرا على ورق، ولا تزال «قسد» تقوم باعتداءات متكررة على قوات الأمن السورية، كما حصل مؤخرا في حلب. ولا تزال فلول تنظيم الدولة الإرهابي «داعش» تنشط في أكثر من مكان في سوريا، وتقوم بعمليات إرهابية تستهدف فيها دور العبادة والكنائس، لإثارة الفتنة والنعرة الطائفية، كما حصل في كنيسة مار الياس في دمشق، ومسجد علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بحمص، والعملية الانتحارية في حلب في باب الفرج مؤخرا، التي كان المستهدف فيها كنيسة الأربعين شهيدا، وتم إحباطها من قبل أحد عناصر الأمن الذي قتل مع المنفذ. وبالنسبة للمعارضة السياسية فقد برز بعض المعارضين السياسيين، الذين ينتقدون النظام الجديد، لكنهم لا يشكلون أي خطر عليه.

يبقى الخطر الأكبر هو دولة الاحتلال المارقة، التي خرقت اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بعد سقوط النظام وتتوغل في الأراضي السورية، وقامت باحتلال مناطق عدة، وكانت قد قامت بقصف كل مقدرات الجيش السوري، ومبنى قيادة الأركان في دمشق، على الرغم من أن السلطة الحالية، أبدت حسن النية بالتفاوض معها ووضع أسس جديدة تنص على العودة لاتفاق فض الاشتباك، والانسحاب من الأراضي السورية. وكانت دولة الاحتلال المارقة قد احتلت الجولان السورية وضمته في عام 1982 وقام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بسيادتها عليه، مع أن كل قوانين الأمم المتحدة ومواقف دول الاتحاد الأوربي تعبر الجولان محتل ويجب الانسحاب منه حسب قراري مجلس الأمن 242 و338 ، ويجري الحديث عن دخول سوريا في اتفاقيات إبراهيم، ولكن لا يوجد إلى اليوم بوادر حسن نية من تل أبيب، التي أعلن رئيس وزرائها نتنياهو أن سوريا ولبنان وقسم من مصر والعراق والسعودية والكويت، هي جزء من مشروع إسرائيل الكبرى. وإزاء كل هذه الأخطار تواجه الإدارة تحديات إعادة الإعمار، وبناء اقتصاد سوريا المنهار، وقد قامت مؤخرا بتغيير العملة السورية، وتقوم بجهود لجلب الاستثمارات الخارجية، والإصلاح الإداري، وبناء الجيش، واستتباب الأمن. وكل ذلك مرهون أيضا بالقضاء على كل الأخطار السابق ذكرها.

مقالات ذات صلة