اليمن بين انفصالين

محمد جميح

حرير- مرة قال عبد الملك الحوثي للدكتور أحمد عوض بن مبارك، الذي كان أمين عام الحوار الوطني في اليمن، فيما الوفود تحاول إقناع الحوثي بوقف اقتحام ميليشياته صنعاء، قال الحوثي: إن «الشمال حقنا، والجنوب سنقاتل فيه»، وهو ما يعني أن الجماعة الطائفية كانت ترى أن حدود حلمها كانت في السيطرة على الشمال، حتى لو أدى ذلك إلى تقسيم اليمن.

بعد اقتحام الحوثيين صنعاء، دون مقاومة تذكر، توسع طموحهم ليشمل الجنوب، حيث واصلت ميليشياتهم التقدم في اتجاه عدن، ومن ثم أصبحوا يرفعون شعارات الوحدة، وبعد خروجهم من عدن والجنوب استقرت سياساتهم على عدم التوسع في اتجاه الجنوب، لإدامة سيطرتهم على الشمال، على أن يظل الجنوب ساحة حرب، تنقل المعارك إليه، حفاظاً على سلطتهم في الشمال.

وكأي جماعة طائفية كان الحوثيون يدركون حجم حدودهم، حيث يصعب على ميليشيا شيعية السيطرة على الأغلبية السنية، ولذا سعوا للتخفيف من لهجتهم الوحدوية، وذلك لكي يتركوا للجماعات الانفصالية في الجنوب الفرصة للسيطرة عليه، وهو ما يخدم مشروعهم في الانفصال الطائفي، فيما رأى الانفصاليون في الجنوب في الحوثي مشروعاً يمكن أن يدعم طموحهم، في إقامة دولتهم المستقلة في الجنوب، على اعتبار أن معظم الشمال تسيطر عليه ميليشيا طائفية، منحتهم الحجة والحق، في الانفصال، ومن هنا يُلحظ تخادم المشروعين الانفصاليين في اليمن: «الانفصال الطائفي» في الشمال، و«الانفصالي الجغرافي» في الجنوب.

وقد لوحظ أثناء معارك حضرموت بين الانتقالي والقوات الحكومية صمت حوثي، إزاء ما يجري، لدرجة أن زعيمهم خرج، يندد باعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» الانفصالية، ولكنه لم يندد بسيطرة قوات الانتقالي «الانفصالية» على حضرموت، مع أن الحوثي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وظهر يعلق عليها، ويدلي فيها بدلوه، ما يشير إلى رضى حوثي عما يجري، لأنه يدرك أن الانفصال الجغرافي جنوباً، يكرس ما يريده من الانفصال الطائفي شمالاً.

وفي المقابل فإن عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي المطالب بالانفصال كرر دائماً أنه – بعد إقامة دولة «الجنوب العربي» – سوف يتفاوض مع الحوثيين، لترتيب علاقات البلدين: اليمن، والجنوب، وهناك تصريحات كثيرة تشير إلى أن المجلس الانتقالي ليس في وارد الذهاب لحرب مع الحوثيين، لأنهم، حسب توصيف الزبيدي «أصبحوا أمراً واقعاً، يجب التعامل معه». وفوق ذلك، وبعد طرد الحوثيين من محافظات الجنوب، منع الانفصاليون الجغرافيون ملاحقة الحوثيين على الحدود الشطرية للدولتين اللتين كانتا في الجنوب والشمال، قبل الوحدة اليمنية، وهي إشارة مبكرة إلى وجود نية مبيتة لترسيم حدود تعود إلى ما قبل عام الوحدة اليمنية، التي تحققت سنة 1990.

يدرك الحوثيون أنهم لن يستطيعوا السيطرة على اليمن كله، ويسرهم أن يكون الجنوب تحت سيطرة المجلس الانتقالي الذي يطالب بفصل الجنوب، والرجوع إلى ما قبل عام 1990، لأن ذلك يضمن للحوثيين تأمين جبهتهم مع خصم لا يريد التوغل في الأراضي التي يسيطرون عليها في الشمال، كما أن الحوثيين لا يريدون – حاليا – التوسع جنوباً، ويرغبون – بدلاً عن ذلك – في إذكاء الصراع هناك، لإضعاف الأطراف المختلفة، كي يبقى الحوثيون الطرف الأقوى في المعادلة.

المشروعان – إذن – يتخادمان ويتشابهان، على مستوى الخطاب والممارسة، ومن أوجه الشبه على مستوى الخطاب توظيف مصطلحات مشتركة، مثل: «العدوان السعودي»، و«الدواعش والإرهابيون والوهابيون والإخوان المسلمون»، وهي عبارات حوثية كثف إعلام المجلس الانتقالي من استعمالها، أثناء المواجهات بين قواته، وقوات «درع الوطن» الحكومية المدعومة من المملكة العربية السعودية، دون أن يغفل الإعلام الانتقالي عن عبارات «المرتزقة والعملاء»، وعبارات «صامدون»، و«الدفاع عن الأرض والعرض»، وهي العبارات ذاتها التي وظفها الحوثيون حرفياً، أثناء جولات حروبهم، منذ 2004، وإلى هذه اللحظة.

وعلى مستوى الممارسات فقد استغل كل من الحوثيين والانتقاليين مؤسسات الدولة، وانطلقوا من داخل تلك المؤسسات لتفريغ الدولة من محتواها، فالحوثيون استغلوا مؤسسات الدولة في الشمال للانقلاب على الجمهورية، والعودة إلى ما قبل عام الثورة اليمنية في 1962، والانتقاليون استغلوا مؤسسات الدولة في الجنوب، للانقلاب على الوحدة، والعودة لما قبل عام الوحدة اليمنية، في 1990.

وقد كان عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يسافر بجوازه اليمني، ويرافق رئيس الجمهورية إلى العواصم المختلفة، كان يتحرك باسم اليمن، ليطالب، بفصل جنوب اليمن عن شماله، وهو شأن كثير من المسؤولين في المجلس الانتقالي الذين استغلوا مناصبهم في مجلس القيادة الرئاسي، وفي الحكومة، للعمل على تقسيم البلاد، وهو السلوك الحوثي الذي ظل يظهر التزامه بالجمهورية، في وقت جيّر فيه كل مؤسساتها، لخدمة مشروع، هو في الأساس امتداد، لنظام الأئمة الثيوقراطي الذي حكم الشمال قبل ثورة سبتمبر 1962.

لا يمكن هنا إغفال راية المظلومية التي يتدثر بها المشروعان، حيث وصل الحوثي باسم مظلومية صعدة إلى صنعاء، ووصل الانتقالي باسم مظلومية الجنوب إلى عدن، وهذا هو سلوك الانتهازيين الذين يعزفون على وتر المظلوميات، لا لإنصاف المظلومين، ولكن للوصول إلى السلطة. ومع القول بصناعة المظلوميات، إلا أن ذلك لا يعني نفي المظالم، ولكنه يعني أن الظالمين اللاحقين، يوظفون الظلم توظيفاً سياسياً، للحلول محل الظالمين السابقين.

ومع الإقرار بوجود فروق بين حملة المشروعين الانفصاليين في الشمال والجنوب، إلا أنهما متطابقان – كما ذكرنا – في هدف تقسيم البلاد، لا لشي، إلا لأنهما يدركان استحالة سيطرتهما على كامل الجغرافيا اليمنية، وبالتالي فإن السيطرة على جزء من اليمن يعد هدف هذين المشروعين، وهو هدف يكشف عن جشع كبير للسلطة، حتى ولو جاءت السلطة على حساب تقسيم البلاد، ودخولها في صراعات لا تنتهي.

أخيراً: لا تشكل مشاريع الانفصال إلا وصفات حرب وصراع، وعدم استقرار لليمن والمنطقة، ويكمن المخرج لليمنيين من هذه الصراعات في استعادة دولتهم، بشكل يمكن كل المكونات والشرائح من المشاركة في بنائها، بعيداً عن مشاريع الانفصال والتقسيم، سواء كانت، تحت يافطة دينية طائفية، أو تحت يافطة جهوية جغرافية.

مقالات ذات صلة