تداعيات القبض على مادورو

مروان المعشر

حرير- لا تحتاج العملية الأمريكية الهادفة إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى أي إثباتات إضافية لتأكيد مخالفتها الصريحة للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، اللذين يحظران اعتداء دولة على سيادة دولة أخرى، ويمنحان رؤساء الدول حصانة قانونية. وبناءً عليه، فإن هذه العملية العسكرية الأمريكية تُعد غير قانونية بالكامل، لاسيما إذا ما قورنت بالحرب الأمريكية على العراق عام 2003، التي على الرغم من الجدل الواسع حول مشروعيتها، إلا أنها استندت شكليًا إلى قرار ملزم باستخدام القوة صادر عن مجلس الأمن الدولي. أما في الحالة الراهنة، فقد تجاهل الرئيس الأمريكي كليا اللجوء إلى الأمم المتحدة، ولم يلتزم أيضا بإخطار الكونغرس الأمريكي بنيته تنفيذ عملية برية في دولة أخرى، خلافًا لما يفرضه الدستور الأمريكي.

مع ذلك، ستسعى إدارة ترامب إلى إيجاد مبرر قانوني لتسويغ هذه العملية. فالدستور الأمريكي يمنح القوانين الأمريكية أولوية على القوانين الدولية، على خلاف ما هو معمول به في معظم دول العالم، حيث يسمو القانون الدولي عادةً على التشريعات الوطنية. وفي هذا الإطار، تتحجج الولايات المتحدة بوجود حكم قضائي صادر عن محكمة في نيويورك، يتهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالتواطؤ مع عدد من كارتيلات المخدرات، بما يشكّل ضررا مباشرا بالمجتمع الأمريكي..

كذلك، يستند الرئيس ترامب إلى «عقيدة مونرو» التي أطلقها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، والتي اعتبرت آنذاك، أي تدخل من القوى الأوروبية الاستعمارية في شؤون القارتين الأمريكيتين عملا عدائيا موجّها ضد الولايات المتحدة. وبالطبع، لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت المحكمة المزمع عقدها في نيويورك ستأخذ بهذه الاتهامات، أو تبني عليها.. ولا شك أن ترامب سيجد سندا له في رأي عام أمريكي غير متعاطف مع مادورو، حتى داخل أوساط تنتقد العملية نفسها، بسبب انتهاكها الصريح للقانون الدولي. فمادورو يُنظر إليه، لدى شريحة واسعة من الأمريكيين، على أنه يساري متطرف، وحاكم استبدادي يدعم تجارة المخدرات ويمارس القمع بحق معارضيه، فضلا عن وجود قناعة متزايدة داخل المجتمع الأمريكي بأن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في فنزويلا قد جرى تزويرها لصالحه، رغم التقدم الذي أحرزته المعارضة فيها.. وبمعنى آخر، من المرجح أن تتعرض العملية لانتقادات من بعض أعضاء الكونغرس، سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين، غير أنني أشك في أن تفضي هذه الانتقادات إلى حراك شعبي واسع ضدها، للأسباب المشار إليها. وسيكتفي معظم الأمريكيين المهتمين بهذا الملف (وهم في الأصل أقلية) بانتظار ما ستسفر عنه الإجراءات والقرارات القضائية في هذه القضية.

يعتقد كثيرون أن دوافع تحرّك ترامب ضد مادورو اقتصادية بحتة، فإذا كانت الحجة المعلنة هي اتهام مادورو بدعم تجارة المخدرات، وضرورة وضع حدّ لها، فما الذي يفسّر تصريحات ترامب بأن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا، وأن شركات النفط الأمريكية ستكون المسؤولة عن بناء بنية تحتية حديثة لاستخراج النفط الفنزويلي، وبطبيعة الحال جني الفوائد الاقتصادية المترتبة على ذلك؟ وكيف يمكن لواشنطن أن تقنع العالم بأن دوافعها نبيلة، وليست انتهازية ذات طابع اقتصادي واضح؟ على الصعيد الدولي، قد تفتح العملية الأمريكية الباب أمام تبرير تحركات مماثلة في مناطق أخرى من العالم؛ إذ قد يُستخدم المنطق نفسه لتبرير قيام بوتين، على سبيل المثال، باختطاف الرئيس الأوكراني زيلينسكي، أو إقدام القيادة الصينية على اختطاف رئيس تايوان. وفي هذا السياق، تسجّل الولايات المتحدة سوابق بالغة الخطورة في العلاقات الدولية، كما أن تقويض احترام ميثاق الأمم المتحدة ستكون له تبعات سلبية جسيمة على النظام الدولي برمّته.

ويبقى السؤال الأهم، من وجهة نظري: في ظل إدارة أمريكية لا تكترث بالقانون الدولي، وتستخدم تفوقها العسكري والتكنولوجي لفرض إرادتها، ما السبيل الواقعي لمواجهة مثل هذا النهج؟ من الواضح أن الحل ليس عسكريا ولا تكنولوجيا، إذ إن الولايات المتحدة تتفوق في هذين المجالين بفارق شاسع. الحل، في رأيي، داخلي بامتياز. فمسؤولية أي نظام حكم أن يحظى برضا شعبه، الأمر الذي يجعل أي تدخل خارجي أكثر صعوبة وأعلى كلفة. وإذا كان القانون الدولي غير كافٍ لردع الدول القوية عن ًالتدخل السافر في شؤون الدول الأضعف، فإن الحكم الرشيد داخل هذه الدول يبقى السلاح الأنجع، لتحصين الجبهات الداخلية، ودفع الشعوب للوقوف صفا واحدًا في وجه هذه التدخلات.

منطقتنا مليئة بأنظمة حكم لم تستوعب هذا الدرس بعد. ولعل سقوط النظام السوري العام الماضي، من دون أن يهبّ أحد للدفاع عنه، ليس إلا أحدث الأمثلة الدالة على ذلك. إن للعملية العسكرية الأمريكية دروسًا وتداعيات عديدة، وفي خضم الرفض القانوني والشعبي الواسع لمثل هذه التدخلات السافرة، ينبغي ألا نغفل مسؤولية الأنظمة نفسها في تعزيز أسس الحكم الرشيد، وترسيخ مؤسسات الدولة القادرة على تلبية تطلعات المجتمعات والحفاظ على تماسكها الداخلي، والذي لا يوفّر أي ذرائع لتدخلات خارجية مرفوضة ومدانة.

مقالات ذات صلة