
أرض العرب
غازي العريضي
حرير- في المشهد العربي وقائعُ واضحةٌ وفاضحة، ومعلوماتٌ مكشوفة، وممارساتٌ على الأرض معروفة، وتؤدّي كلّها إلى تفتيت منطقتنا إلى كيانات ومحميات إسرائيلية. وهذا ما نبّه إلى مخاطره الشهيد كمال جنبلاط قبل عقود. وانطلقت شرارته الأولى من لبنان، فقاومناه وأوقفناه، لكنّ أصواتاً ترتفع في مواقع كثيرة تدعو إلى الانفصال تحت عناوين مختلفة: فيدرالية، تقسيم، لامركزية إدارية ومالية موسّعة. الخطوات تتسارع على الأرض، ويبدو أن الأمور تسير كما هو مخطّط، ولا شيء سيوقفها.
يسير نتنياهو، بن غوريون الثاني، بخطىً ثابتةٍ في طريقه إلى المجد، مدعوماً من إدارة الرئيس الأميركي ترامب. في إثيوبيا، إطلاق مشروع ضخم للربط بأربعة موانئ إقليمية: بربرة في الصومال، ومومباسا في كينيا، وجيبوتي، وبورتسودان في السودان. سكّة حديد بطول خمسة آلاف كيلومتر، تهدف إلى التحكّم بخيوط الحركة في القرن الأفريقي، ويضاف إلى ذلك سدّ النهضة الذي يهدّد مصر، وبنته إسرائيل وأميركا فعلياً، وهذا كلّه يوفّر موقعاً متقدّماً على البحر الأحمر. دعوات إلى الانفصال في جنوب اليمن، واقتتال عربي- عربي مباشر وغير مباشر، إضافة إلى مشكلة الشمال. و”أرض الصومال” دولة مفترضة منفصلة عن الدولة الأمّ، بدعم إسرائيلي، وبينها وبين جنوب اليمن تلاقٍ في البحر الأحمر وبحر العرب. دعوة للانفصال في سورية تهدّد وحدتها. سودان منقسم واتجاه لاستكمال المُقسَّم بأيدٍ عربية. ليبيا مقسّمة، وعراق “غني” فقير وآخر جائع “مُشلّع”، مهدّد من الداخل والخارج، وثروات منهوبة، ودولة منكوبة. مشروع احتلال غزّة واستثمار خيراتها وتهجير أهلها قائم، ومراحل تنفيذه فعلياً بدأت، والضفةُ في الطريق رغم الحديث عن “السلام” و”الأمن” و”الازدهار”. وقد أكّد وزير الثقافة الإسرائيلي منذ أيام ما هو مُؤكَّد عندما قال: إن غزّة “مُلكٌ لإسرائيل”، وإن الفلسطينيين في القطاع “ضيوف تسمح لهم السلطات الإسرائيلية بالبقاء هناك مؤقّتاً… نحن نسمح لهم بالبقاء هناك ضيوفاً حتى وقت معين، لكن غزّة لنا، ويهودا والسامرة (الضفة) ملك لإسرائيل أيضاً”. و”نحن لسنا محتلّين في أرضنا”. هذه هي الثقافة (والتربية والرؤية والسردية) الإسرائيلية الثابتة، وحقيقة المشروع الاستيطاني الاستعماري التوسّعي الذي لن يقف عند حدود فلسطين، لأن المنطقة كلّها مُستهدَفة، وإسرائيل في قمّة اندفاعتها وسرعتها في تحقيق أهدافها في هذا الطريق.
كان ينقصنا إعلانُ الاعتراف بـ”أرض الصومال” دولة. في العادة، هذا إعلانٌ يعبّر عن رغبة تقليدية في تفتيت المنطقة، لكن لا مبالغة في القول إن اعتراف إسرائيل هزّ الأوساط السياسية في المنطقة والعالم، وشكّل حدثاً يخلط الأوراق. لماذا؟… لأن دولة الاحتلال عاشت عقوداً من الزمن تجاهد وتقاتل وتستخدم الوسائل الأمنية والعسكرية والسياسية والاستخباراتية والمالية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية… كلّها، لنيل اعتراف بها في المنطقة، وللانفتاح عليها من كثيرين في العالم. تحوّلت إلى دولة؛ فإذا اعترفت بـ”أرض الصومال” بوصفها “دولة”، أو بأيّ موقع آخر، أضفت نوعاً من الشرعية عليها، وحرّكت المعنيين لدراسة الأمر، حاسمةً وجازمةً أنها ستصل إلى ما تريد. وصلت إلى هنا بفعل رؤية وإرادة وعمل دائب وخطط واستراتيجية واضحة لتثبيت موقعها. يجب الاعتراف أنها تغلّبت على العرب بالعقل، وبالعلم، وبالتكنولوجيا، وبالثبات، وبالمتابعة، وبقضية سخّرت لها كل شيء، فباتت قادرةً على التلاعب بأراضيهم وأنظمتهم وثرواتهم ومصائرهم؛ حتى إذا اخترعت كياناً ما تحوّل إلى دولة، وتفكّكت الدول الأمّ، والعرب لم يبدّلوا تبديلاً.
هذه إسرائيل المُبادِرة، تحقّق خطوات في طريق فرض مشروعها لتفتيت المنطقة بكل ما تمتلك من عناصر قوة وأوراق، ولا تقيم وزناً للعرب مجتمعين، لأنهم لا يقيمون وزناً للعقل والتبصّر والوعي وإمكاناتهم الذاتية. إسرائيل ستتحوّل إلى “روتردام” الشرق الأوسط لضخ النفط والغاز إلى العالم. ثمّة بدائل كثيرة من النفط والغاز العربيَّين اللذين سيتحكّم الآخرون بهما إنتاجاً وتسعيراً وتسويقاً، وبعد فنزويلا سيكون ثمّة فائض أكبر لدى أميركا، إضافة إلى منابع أخرى تسيطر عليها، ودور إسرائيلي فاعل في أكثر من مكان عربي في هذا المجال. وأرض العرب تسرق ما فوقها وتحتها أميركا وإسرائيل، ويحدّثونك عن “الحضن العربي” (!).



