المحور السني بين إشكالية التعريف وآفاق الوجود

سامح المحاريق

حرير- قبل أن تبدأ العمليات العسكرية الموجهة إلى إيران، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن المحور السني، الذي يتوجب التعامل معه في مرحلة تشكله بعد الانتهاء من المحور الشيعي، وكان منافسه نفتالي بينيت يتحدث عن الأمر نفسه، مبديا قلقه من محور يجمع تركيا وقطر، ويعمل على تأليب السعودية وباكستان ضد إسرائيل.

يذهب بينيت في الحديث إلى أن ما يحرك المحور السني هو كراهية إسرائيل، ويقول إنهم لن يحبوا إسرائيل في الشرق الأوسط، وإن ثلاثة آلاف عامٍ كافية لتثبت أن ذلك لن يحدث، متجاهلا السجل الإجرامي الطويل لإسرائيل، وعملها المتواصل لإجهاض عملية البناء في أي دولة في المنطقة لتجنب وجود منافس حقيقي لإسرائيل لتنفرد بمكانة المنصة المتقدمة للعالم الغربي المتقدم، والحليف الوحيد الموثوق في وسط بؤرة من التخلف والعشوائية، كما يراها العقل الإسرائيلي، وكما يروجها في مختلف الأوساط العالمية.

مع انفلات العدوانية الإسرائيلية في الحرب على غزة، والانطلاق إقليميا لتقييد المحور الإيراني ابتداءً من بيروت ودمشق، وجدت الدول السنية التي يقصدها نتنياهو وبينيت نفسها في مواجهة تحديات مستجدة، تتمثل في مساحة من الهيمنة تسعى إسرائيل لتحقيقها لرسملة الواقع الجديد لمصلحتها، فهي تدخل في الجنوب السوري وتعلن عن تصورات أمنية لمحاصرة سوريا، التي تراها فضاءً استراتيجياً تركياً من خلال الوصول بين دولة درزية تشجع قيامها في الجنوب، وعلى الأقل عدم استقرارها في المدى الطويل، ليتلاقى ذلك مع وجود كردي متحالف مع إسرائيل والأمريكيين في شرق سوريا، بالإضافة إلى تحركات واسعة في منطقة القرن الافريقي.

أدت العدوانية الإسرائيلية على مدخل البحر الأحمر إلى استياء واسع في الرياض، التي استغرقت في العامين الأخيرين في إعادة قراءة المشهد لتخلص إلى ضرورة وجود مقاربة مختلفة لتأمين المنطقة، وبالتالي مشروعات التنمية الموضوعة داخلها وفي محيطها، وكان ما يجمع الدول التي أصبحت تشكل المحور السني، الذي بدأت إسرائيل بتعريفه، هو النزق الإسرائيلي والحديث المتصاعد عن مشروعات تتجاوز ما كان يمكن قبوله سابقا بخصوص وجود إسرائيل ودورها في المنطقة. تتشكل النواة الصلبة للتحالف السني حالياً، من أكثر من محور فرعي تنتظر كتلة حرجة يمكن أن تتكاثف بعد انتهاء الحرب على إيران، سواء كانت من خلال صيغة اللا غالب واللا مغلوب حيث يمكن أن يدعي الطرفان تحقيق أهدافهما، أو شيء منها، أو من خلال فرض إرادة أي منهما، والمحور الأول التقليدي يجمع تركيا مع قطر، وهو محور تعامل مع الأوضاع في سوريا لسنوات، وتوجد أرضية واسعة من التفاهم داخله، ويتشكل المحور الثاني من السعودية وباكستان وهو في تشكله يمثل ردا للفعل على تحالف آخر يجمع إسرائيل بالهند، ويدور حول الممر التجاري الكبير الذي يجمع البلدين ويقصد تحقيق المكتسبات في الجغرافيا السياسية الممتدة بينهما. وتأتي مصر والأردن دولتا الطوق للكيان الإسرائيلي، وبحضورهما تطرح مساحات اشتباك ساخنة مع إسرائيل، سواء في غزة أو الضفة الغربية، أي أن البلدين في حالة تجاذب وجودي مع إسرائيل يمس مصالحهما الوطنية والأمنية.

تحاول بعض القوى الإسرائيلية أن تضع الإخوان المسلمين في المشهد لتلقي على المحور نزعة غيبية تتلاءم مع الأمزجة الأمريكية والأوروبية، التي أخذت تميل إلى وجود الإسلام بوصفه تهديدا لمجتمعاتها وأنماط حياتها، لتصبح إسرائيل في هذه المخيلة جبهة متقدمة لمواجهته، إلا أن الإخوان المسلمين يبدون بعيدين عن التحالف، ويبدو أن واحدا من نقاط الالتقاء والتفاهم داخل المحور هو تنحية الإسلام السياسي جانبا في صراع يتصاعد مع محاولة هيمنة أمنية واقتصادية تتصدى لها إسرائيل. لم يعد لدى إسرائيل ما يمكن تسويقه على صعيد ادعاءات السلام والاستقرار، وما تراه دول المحور السني، التي أخذت تبدي امتعاضها من الاستراتيجيات الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، هو أن محاولة الانقضاض على إيران وعلى المحور الشيعي بعد الخسائر الواسعة التي تكبدتها في العامين الأخيرين، وتهيئة الأجواء لهيمنة إسرائيلية في المحيط الجغرافي المباشر، وفي فضاءات الممر التجاري الكبير خاصة في القرن الافريقي.

تبقى المشكلة الاعتيادية والتي تدخل في خانة المحفوظات في السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط هي القدرة على البناء المؤسسي والخروج من تبادل الأفكار العمومية وسلوكيات ردود الأفعال، التي يمكن أن تعمل لفترة من الوقت، ولكنها تبقى غير قادرة على تحقيق الزخم اللازم لفرض مشروعها، ومع تقريب المشهد توجد ثلاث دول لديها مصالح واضحة تتوزع بين ما ترغب في تحقيقه مثل، تركيا والسعودية، والمحافظة عليه مثل مصر والأردن، وتحديد هذه المصالح وتقاطعاتها وحدود المناورة داخلها يبقى عاملا رئيسيا في نجاح ظهور المحور ليس من أجل مواجهة إسرائيل، ولكن لتحقيق المصلحة المشتركة في المدى البعيد.

قبل أن تبدأ الحرب على إيران، كان رئيس وزراء الهند يحط في إسرائيل في أجواء تجاوزت اللوازم السياسية، إلى التهافت العاطفي، ولكن خطوة مماثلة لم تتخذ داخل المحور السني، الذي تبدو وجهات نظره متقاربة للغاية، وتوجد اتصالات بينية كثيرة إلا أنها لا ترتقي لفكرة تشكيل خطاب، أو إعلان وجودي صريح يقابل ما تحاول إسرائيل تأسيسه مع حلفائها. الضربات الإيرانية لدول الخليج أربكت المشهد بشكل عام، وجعلت مجال المناورة ضيقا، فالدول الخليجية ضمن تحالفاتها التاريخية مع الولايات المتحدة، خاصة بعد حرب الخليج الثانية 1990، ومع عدم رغبتها في أن تظهر في الجانب الذي يشتبك مع إسرائيل، تستوعب الضربات من غير خطوات تصعيدية، مثل تفعيل العمل العسكري الأمريكي من أراضيها، أو الانخراط في أعمال دفاعية على مياه الخليج، خاصة وأن معظمها تمكن من تعزيز قواته الجوية بصورة كبيرة في العقود الماضية، وهذه المعادلة تقيد التحركات العملية وتبقي الإعلان عن رؤية أوسع لمرحلة ما بعد الحرب استباقًا مبكرًا يمكن أن يحمل داخله حربًا جديدة، أو سلسلة من الحروب بالوكالة في المستقبل.

بغض النظر عن النتيجة التي ستخلص لها الحرب مع إيران، فالواقع إن إسرائيل أعلنت أن استراتيجيتها في المنطقة تنحصر حول الهيمنة ومواصلة الاستنزاف والعدوانية، وأغلقت وراءها أبوابا لأربعين عاما من مقاربات للتسوية في الشرق الأوسط، وهو ما لا يمكن قبوله خاصة أن الزمن الذي أنتج هذه المعادلة انقضى بأكمله ولم يعد شيء من شروطه قائما، والتحالفات التي تخوضها إسرائيل مع الهند ودول أخرى في محيط الشرق الأوسط تحمل تهديدا وجوديا عميقا في المستقبل، وهو يختلف حتى عن المقاربة الأمريكية السابقة التي تقضي بالتدخل ضمن هندسة التحالفات واستقرار الموارد والممرات الاعتيادية. ينتهي عصر كامل في المنطقة ككل، ويبقى العصر الجديد قيد التشكل، ومن يحاول أن يسبق كالعادة إلى وضع التعريفات وتجييرها لمصلحته هو الجانب الإسرائيلي، والمحور السني هو تعريف إسرائيلي لوضع شروط لتخيله والتعامل معه، بينما في الحقيقة هو استراتيجية لمواجهة إسرائيل التي بدأت تعمل على استراتيجية هيمنة تمتد من دلهي إلى أرض الصومال.

مقالات ذات صلة