
أكراد إيران ولعبة الأمم
توفيق شومان
حرير- لم تَحِدْ وسائل الإعلام الكردية (ومنها شبكة روداو) عن جادة الإشهار بالاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقياديَّين الكرديَّين العراقيَّين مسعود البارزاني وبافل الطالباني، وتمحور حول “الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران والخطوات المستقبلية لهذا الصراع”، وفقاً للنص والحرف في منصة “روداو” في الثالث من مارس/ آذار الجاري. ومنذ شيوع المعلومات المرتبطة بذاك الاتصال، الذي تسابقت صحف ومواقع إعلامية أميركية رصينة في نقل تفاصيله، تحفل التقديرات والتحليلات العربية والإقليمية (بما فيها الكردية) والأجنبية بالحديث عن احتمالات توريط الأكراد الإيرانيين في لعبة الأمم من جديد. وإذ تنبذ تركيا تحويل حدودها جسراً لتسليح أكراد إيران لأسبابها المعروفة، وكذلك ترفض باكستان إمداد القوميين البلوش الإيرانيين بالعدّة والعتاد خشيةً على أمنها القومي، ولأن البلوش جزءٌ من كيانها الوطني، تتجه الأنظار نحو حدود إيران مع شمالي العراق، تلك الحدود الرخوة أمنياً، وحيث الأكراد في جانبي الجغرافيا من هنا وهناك.
وفقاً لما بات مأثوراً ومتواتراً، يأبى الأكراد العراقيون الاستجابة لرهان أميركي على إشغال إيران بجبهة داخلية قوامها حركة كردية مسلحة. وفي أعداد “العربي الجديد” في الأيام القليلة الماضية ما ينطوي على تصوّرات ورهانات أميركية على سلوك هذا المسلك، وذلك كلّه يستدعي إلى الذاكرة ثمانية عقود مضت، علّق فيها الأكراد أحلامهم على حبال الصراعات الدولية، فوقعوا بين شدائدها الخانقة.
أول نموذج كردي صارخ أسند ظهره إلى قوة دولية كبرى تمثل في “جمهورية مهاباد” التي أعلنها قاضي محمّد في يناير/ كانون الثاني 1946، وبالتنسيق مع الاتحاد السوفييتي الذي كان جيشه الأحمر قد اجتاح قسماً من الأراضي الإيرانية من جهة، وكان الجيش البريطاني قد اكتسح قسماً آخر من جهة ثانية، إلا أن تسويات وتفاهمات دولية أفضت إلى انسحاب الجيوش الأجنبية من إيران، ومن ضمنها الجيش الأحمر، فغدت “مهاباد” من دون دروع حماية، فدخلتها القوات الإيرانية (17/12/1946) واعتقلت قاضي محمّد، وحُكم عليه بالإعدام في مارس/ آذار 1947، فيما فرّ رئيس أركان جيش “مهاباد” مصطفى البارزاني إلى الاتحاد السوفييتي ليعود إلى العراق بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم في 14 يوليو/ تموز 1958.
كان من تشعّبات القاعدة النظرية التي تأسّست عليها سياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني أنها استُمدّت من معاداة النظام الملكي في العراق ذي الميول الغربية، على ما كانت تقاليد الاتهام في تلك المرحلة. ولذلك اتجه البارزاني شرقاً، وعاد إلى العراق بعد اصطباغ نظامه الجديد بالسياسات المستشرقة، ولم يطل الأمر حتى وقعت الواقعة بين الطرفَين، وراح البارزاني وأنصاره يشنّون حرب عصابات على “الجيش الجمهوري” في العراق. عن تلك الفترة يتحدّث مسعود البارزاني عن والده في كتابه الضخم “البارزاني والحركة التحرّرية الكردية”، فيقصّ ويسرد أسباب الخلاف مع عبد الكريم قاسم عام 1961، وفي ذلك يقول: “أخذت العلاقة تسوء بين عبد الكريم قاسم والبارزاني (الأب)، وبنوع أخصّ بعد عودة البارزاني من موسكو إلى بغداد في يناير/ كانون الثاني 1961، وحاول البارزاني تبديد شكوكه وإقناعه بأنه والبارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) لا يضمران أي سوء”. وعلى ما يظهر، فإن ظنون عبد الكريم قاسم لم تنفرط ولم تتشتّت، نظراً إلى العلاقة العميقة بين البارزاني والاتحاد السوفييتي، فالرجل يقرّ في كتابه بأنه “شرح لقادة الكرملين الأوضاع العراقية المتأزمة بصورة عامة، وأوضاع كردستان بنوع خاص، وعن احتمال قيام انتفاضة ضد نظام قاسم، كما ناشدهم مدّ يد العون إلى الشعب الكردي في جميع النواحي، وقد أخذ عهداً بذلك منهم، ومما وعدوا به مبدئياً إرسال عتاد وأسلحة كافية بالطائرات وإنزالها في موضع يعيّنه البارزاني”.
يكشف مصطفى البارزاني في هذا السرد رهاناً كردياً كبيراً على مساعدة الاتحاد السوفييتي للأكراد العراقيين، وفي الوقت نفسه يؤكّد العلاقة الوثيقة مع موسكو خلال النصف الأول من عقد الستينيّات من القرن الماضي الذي شهد ما يسمّيها البارزاني “ثورة 1961” في مواجهة الحكومة المركزية في العراق، واستمرت إلى سنوات لاحقة، إلى أن كانت اتفاقية مارس 1970 بين أحمد حسن البكر – صدّام حسين، والحزب الديمقراطي الكردستاني، ذات الأفق المفتوح على الحكم الذاتي. وبما يخالف الآمال الكردية مرّة أخرى، اتجهت العلاقة بين نظام “البعث” في العراق والجماعة الكردية إلى التشقّق والصراع، فكان من تداعياتها مساندة الاتحاد السوفييتي حكومة بغداد. وفي تلك اللحظة دارت العجلة البارزانية نحو الغرب، وانقلبت التحالفات رأساً على عقب، وغدا شاه إيران محمّد رضا بهلوي داعماً للعمل العسكري الكردي ضد بغداد، فيما كانت مخصّصات مالية تأتي من الولايات المتحدة. ولا يخفي هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) في كتابه “سنوات التجديد” التفاصيل الدقيقة عن الدعم الخارجي لمصطفى البارزاني، ومما يقوله: “بحلول عام 1971 وصلت العلاقة بين بغداد والأكراد إلى نقطة الانهيار مرّة أخرى، فاستأنفوا حرب العصابات بدعم من إيران وإسرائيل، وفي مارس/ آذار 1972 ناشد الشاه نيكسون (الرئيس الأميركي) التعاون معه في مساعدة البارزاني، وخصّصت الولايات المتحدة 250 ألف دولار في الشهر معونة مباشرة، وفي خريف عام 1974 تلقينا طلبات كردية عاجلة لتقديم معونات إضافية، ويبلغ إجمالي مساعدتنا للبارزاني خلال سنوات 1973 و1974 و1975 مقدار 20 مليون دولار”.
ولكن ما إن حل عام 1975 حتى انكشفت المفاوضات السرّية بين شاه إيران وصدّام حسين، وكما يروي كيسنجر أن الشاه أبلغه في فبراير/ شباط من ذلك العام أنه “يستكشف” إمكانية إجراء مفاوضات مع حكومة بغداد، وهذا ما أظهرته الوقائع بعد ذلك حين أدت المفاوضات بين بغداد وطهران إلى اتفاقية الجزائر، التي كان من نتائجها إيقاف دعم الشاه للعمل الكردي المسلح في العراق. وحيال ذلك يعلّق كيسنجر قائلاً: “لم تبتسم الأقدار في ربيع عام 1975 لأصدقاء أميركا، ففي الوقت الذي تخلى فيه الكونغرس عن شعوب الهند الصينية لترزح تحت نير الشيوعية، ترك شاه إيران أكراد العراق عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم في وجه النظام الراديكالي في بغداد”.
هل من الضروري أن يعاد التذكير بطموحات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سورية، وحيث رنين وطنين موقف المبعوث الأميركي توم برّاك ما زال يصمُّ الآذان حين قال: “دور قسد انتهى”؟



