ترامب ونتنياهو: تقاطع المصالح وبعض الخلافات

جمال زحالقة

حرير- استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في منتجع «مار-آ-لاغو» في ولاية فلوريدا. جاء ذلك خلال الزيارة الخامسة لنتنياهو للولايات المتحدة، منذ دخول ترامب البيت الأبيض مطلع عام 2025، وهذا رقم قياسي لتكرار الزيارات ولقاءات القمة الأمريكية ـ الإسرائيلية. وعبّر «الرئيسان» عن إعجابهما الواحد بالآخر، حيث قال ترامب عن نتنياهو، إنّه أنقذ إسرائيل ولولاه لكانت أبيدت، فرد الأخير بالقول إنه «لم يكن لنا صديق في البيت الأبيض مثل ترامب، وإسرائيل محظوظة جدا بقيادته الولايات المتحدة وبقيادته للعالم الحر».

وإمعانا في التزلّف قال نتنياهو إن ترامب يكسر التقاليد وإسرائيل اتخذت قرارا غير تقليدي بمنحه «جائزة إسرائيل»، التي لم تمنح، إلى الآن، سوى إلى مواطنين إسرائيليين. وتأتي هذه الخطوة كمحاولة لاستدراج ترامب لزيارة إسرائيل خلال ما يسمى «يوم الاستقلال»، وهو الموعد الذي تجري فيه مراسيم توزيع الجائزة.

خلال استقباله نتنياهو، قال ترامب إن اللقاء بينهما سيتناول خمس قضايا، ولكن المواضيع التي جرى تداولها خلال الزيارة، وخلال التحضيرات لها أكثر بكثير، وتنبع هذه الكثرة من طبيعة العلاقات الإسرائيلية ـ الأمريكية، التي يرجح فيها طابع صلة الدولة الأم بالمستعمرة، خاصة أن علاقة إسرائيل – نتنياهو بدول العالم في حالة تراجع في ظل الحرج والامتعاض من حرب الإبادة وتداعياتها الكارثية؛ وبالمقابل زاد اعتمادها وارتباطها بالولايات المتحدة تبعا للاتكاء غير المسبوق على الدعم والحماية والمساندة الأمريكية. وقد حسم نتنياهو الأمر بأنّه يستطيع أن يدير ظهره للعالم إذا كانت واشنطن في ظهره. وأخذا بعين الاعتبار المركزية القيادية والإدارية الشديدة عند الاثنين، وطبيعة العلاقة بين البلدين، أصبحت لقاءات ترامب – نتنياهو أهم محطّات الحسم السياسي ولها الأثر الأكبر على ما يجري في الشرق الأوسط وله صلة بإسرائيل.

بعد لقاء ترامب ـ نتنياهو، احتفلت أبواق اليمين الإسرائيلي، وردد معها «الرأي العام»، أن نتنياهو أخذ «تسعة من مطالبه العشر، وبعد تأكيد ترامب على طلب العفو حصل على 11 من 10». قد يكون هناك بعض المبالغة والتضخيم في «إنجازات» نتنياهو في اللقاء، لكن من الواضح أنه حصل من ترامب على الأقل على العديد من التصريحات، التي يريدها من الرئيس الأمريكي. وإذا رشحت بعض الخلافات فهي ليست من الوزن الثقيل، الذي لا يستطيع نتنياهو التعايش من دونها، ولا يرافقها ضغط فعلي لا يقدر على تحمّله. ويمكن القول بالمجمل إن علاقة ترامب ـ نتنياهو العلنية تعكس إلى حد كبير طبيعة وعمق التحالف الاستراتيجي بين الإمبراطورية الأمريكية والدولة الصهيونية.

غزة

القضية الأهم في زيارة نتنياهو للولايات المتحدة هي غزة، خاصة أنه يكرر مقولة، إنه حقق الانتصار على الجبهات كافة وبقيت غزة، وهو يريد من ترامب أن يحقق له ما عجز عنه جيشه خلال عامين من الحرب الوحشية والإجرامية. وإذا كان هناك بالعموم توافق إسرائيلي أمريكي حول مخرجات المرحلة الثانية في غزة، فهناك بعض التباين في المواقف. وحين سئل ترامب عن نزع سلاح حماس أحاله إلى القوات الدولية، التي ستدخل غزة، وامتنع عن التصريح بأنه يدعم عملية عسكرية إسرائيلية لتحقيق هذا الغرض، وذلك بخلاف موقف نتنياهو المعروف والمعلن مرارا وتكرارا بأنّه «يجب نزع سلاح حماس، بالطريقة الدبلوماسية السهلة، وإلّا فإن إسرائيل ستفعل ذلك بالطرق العسكرية الصعبة». كما برز خلاف بينهما بكل ما يخص الموقف من تركيا ومشاركتها في «قوة الاستقرار» الدولية، حيث أعلن ترامب، ونتنياهو يقف إلى جانبه، أنّه يرى بأنها ستكون مشاركة جيّدة ومفيدة، ما يتناقض مع الموقف الإسرائيلي برفض دخول قوات تركية إلى غزة، تحت أي مسمّى، على اعتبار «القرابة الأيديولوجية» بين حركة حماس والتيار الإسلامي الحاكم في تركيا.

من الواضح أن ترامب يريد الاستمرار في تنفيذ خطّته بخصوص غزة وأنه يعمل على إقناع نتنياهو بالمضي قدما في تطبيقها. لكن شروط نتنياهو ثقيلة وتعجيزية، وإن لم يجبره ترامب على التراجع عن معظمها، فلن تكون هناك مرحلة ثانية في غزة، وستبقى الأحوال في الوحل، لا تقدم إلى الأمام نحو تثبيت وقف الحرب والشروع في إعادة الإعمار ولا عودة إلى الخلف إلى القتال الحربي بالكثافة السابقة.

المطلوب عربيا وفلسطينيا تجهيز البديل لخطة ترامب، فهناك احتمال كبير أن تفشل. لكن حاليا، وبما أنها «اللعبة الوحيدة في المدينة»، لا بد من العمل على تخفيف وطأتها من خلال طرح مقترحات مثل، أن تكون صلاحية «مجلس السلام» هي المحافظة على وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات والعمل على تسهيل إعادة الإعمار، دون أن تكون له صلاحيات سيادية فوق أرض غزة، ويجب التمسك بثبات أن السيادة هي فلسطينية مئة في المئة. كذلك الأمر بالنسبة لقوة الاستقرار الدولية، التي من المفروض أن تحفظ استقرار الهدنة وتحرس الحدود وتمنع الاجتياحات والقصف. وهناك بنود كثيرة تتطلب طرح التفسير الفلسطيني والعربي لها بقوة: انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، الشروع فورا في إعادة الإعمار وعدم اشتراط الموافقة الإسرائيلية، وتوكيل الفلسطينيين باختيار الإدارة المدنية لغزة بالاتفاق الداخلي، وتوكيل هذه الإدارة بتشكيل أجهزة الشرطة، وغير ذلك من المسائل التي سيكون لها أثر بعيد المدى على قضية فلسطين.

إيران

كما أراد نتنياهو، جاءت تصريحات ترامب في الشأن الإيراني «حربجية» وساخنة. والجديد فيها هو دعم ترامب المبدئي لهجوم عسكري إسرائيلي على إيران، إن هي مضت في تطوير مشروعها الصاروخي، إضافة إلى مساندة تامة لاستهداف المشروع النووي الإيراني، إذا ثبتت العودة إلى معدلات التخصيب السابقة. هذه أول مرة يعلن فيها رئيس أمريكي أن صناعة ونشر صواريخ «تهدد إسرائيل»، تبرر أمريكيا خطوات عسكرية إسرائيلية. لا يعني هذا الإعلان أن الولايات المتحدة أعطت ضوءا أخضر لهجوم إسرائيلي قريب، بل يبدو أن ترامب كان مستعدا لإطلاق التهديد للضغط على إيران، ولإعطاء نتنياهو مكسبا إضافيا يلوح به أمام ناخبيه. في كل الأحوال ضرب إيران هو قرار أمريكي بامتياز لأنّه يمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة، وقد يشكل تهديدا لعشرات آلاف الجنود التابعين لقوات المنطقة الوسطى الموجودة في الشرق الأوسط، وبالأخص في منطقة الخليج القريبة من إيران. كما ان مواجهة إسرائيلية – إيرانية ستجر الجيش الأمريكي إلى التدخل في الدفاع عن إسرائيل وربما في الهجوم على إيران كما حدث من قبل.

سوريا

كعادته، كذب نتنياهو حين قال في المؤتمر الصحافي، إن ما يهم إسرائيل هو حدود آمنة بلا «إرهابيين». ما لم يقله علنا، ولكنه يسعى إليه دوما هو منع سوريا من امتلاك دفاعات جوية، وصد تركيا عن نصبها على الأراضي السورية. فهو في الحقيقة يريد أن يفرض شروط استسلام كامل على الدولة السورية من خلال: أولا، إخضاع أجزاء واسعة من أراضي سوريا للحكم الإسرائيلي المباشر، ثانيا، إخضاع الأجواء السورية بالكامل لسيطرة سلاح الجو وضمان «حرية الطيران» الإسرائيلي في ممر آمن لضرب إيران؛ ثالثا، كما تفعل الدول الاستعمارية، تطلب إسرائيل لنفسها الحق في «حماية الأقليات» وفق اختياراتها؛ رابعا، الانتقاص من السيادة السورية، بمنع إقامة تحالفات إقليمية خاصة مع تركيا وإيران؛ خامسا، بعد أن دمّرت إسرائيل جميع مقدرات الجيش السوري، فهي تريد أن يكون لها «كلمة» في تسليحه من جديد. وفي ظل هذه الشروط الإسرائيلية، يبقى مديح ترامب لأحمد الشرع ورغبته في اتفاق إسرائيلي – سوري حبرا على ورق.

نتنياهو يعود إلى إسرائيل محمّلا ببعض الهدايا من ترامب، منها عطايا للدولة، تفيده انتخابيا، ومنها ما هو له شخصيا بكل ما يخص العفو عنه. ويمكن القول إن ترامب يدعم بقاء نتنياهو رئيسا لوزراء إسرائيل بعد انتخابات الكنيست المقبلة، وتبعات هذا الموقف قد تكون كارثية لأن نتنياهو ربط مصيره بالتزامات أمنية عدوانية إجرامية.

مقالات ذات صلة