
موازنة 2026 من منظور اقتصادي
سلامة الدرعاوي
حرير- يشكّل إصدار المنتدى الاقتصادي الأردني لورقة السياسات المتعلقة بمشروع قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2026 خطوة بالغة الأهمية في وقت يحتاج فيه النقاش المالي إلى قدر أكبر من الوضوح والعمق.
فالورقة جاءت بمستوى تحليلي مختلف، لا يكتفي برصد الأرقام، لكن يتجاوزها إلى تفكيك التوجهات المالية وتقييم قدرة الدولة على تحقيق الاستدامة في ظل الضغوط المتزايدة على جانب النفقات.
وتبرز أهمية هذا الإصدار في أنه يقدم قراءة واقعية، لمسار المالية العامة، مع توصيات قابلة للتطبيق تستند إلى الممارسات الدولية وتجربة الأردن خلال السنوات الماضية.
وتؤكد الورقة أن الموازنة أداة سياسية واقتصادية تعكس أولويات الدولة، وتكشف عن مدى قدرتها على معالجة التحديات الهيكلية، وتحفيز النمو، وضبط العجز والدين.
ومن خلال تحليل الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها التقديرات، تُشير الورقة إلى مستوى من عدم اليقين يفرض على الحكومة أن تتعامل بحذر مع مسار الإنفاق، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من هذه الفرضيات يرتبط بعوامل خارجية مثل أسعار الفائدة العالمية وتدفقات الاستثمار وحجم المساعدات، وهذا الإدراك، كما توضحه الورقة، ضروري لبناء سيناريوهات أكثر واقعية وتقييم قدرة الموازنة على الصمود في وجه المتغيرات.
وتكشف الورقة عن تحسّن تدريجي في جانب الإيرادات، إذ ترتفع إلى نحو 10.93 مليار دينار في عام 2026، بزيادة 9.1 % عن إعادة تقدير 2025، مستندة إلى ارتفاع الإيرادات المحلية التي تصل إلى 10.19 مليار دينار.
وتوضح الورقة أن النمو الضريبي هو المحرك الأساسي لهذا التحسن، مع ارتفاع الإيرادات الضريبية إلى 7.66 مليار دينار بنسبة 10.9 %، ورغم ذلك، لا تنظر الورقة إلى هذا الارتفاع كدليل كافٍ على تحسن بنية الإيرادات، لكن تشير بوضوح إلى أن الاعتماد على الضرائب غير المباشرة ما يزال كبيرًا، ما يجعل القاعدة الإيرادية أكثر حساسية لأي تباطؤ اقتصادي.
وفي المقابل، تستمر النفقات بالصعود إلى 13.06 مليار دينار، بزيادة 6.4 %، مع استمرار سيطرة النفقات الجارية التي تصل إلى 11.45 مليار دينار، في حين تلفت الورقة النظر إلى أن بنية الإنفاق الجارية تُعد التحدي الأكبر، لأن البنود التي تشكل ثقلها—مثل الرواتب والتقاعد وفوائد القروض—ذات طبيعة جامدة يصعب تعديلها، وهذا الوضع يقلل من مرونة الموازنة، ويحدّ من قدرة الحكومة على توجيه موارد أكبر نحو المشاريع التنموية ذات الأثر الاقتصادي الأعلى.
وتقدّم الورقة تقييمًا لافتًا للإنفاق الرأسمالي الذي يرتفع بنسبة 17 % ليبلغ 1.6 مليار دينار، معتبرة أن هذه الزيادة إيجابية لكنها ما تزال أقل من المطلوب، إذا ما أرادت الدولة تحقيق أثر تنموي واضح. وتبرز الورقة أهمية تخصيص 396 مليون دينار لمشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، وارتفاع مخصصات مشاريع الوزارات إلى 537 مليون دينار، في خطوة تعكس رغبة حقيقية لتعزيز الاستثمار العام وتحسين الإنتاجية.
ولعل النقطة الأهم في الورقة هي توصياتها، التي جاءت واضحة وعملية: توسيع القاعدة الضريبية دون أعباء جديدة، وتحسين إدارة الالتزامات المالية، وتطبيق موازنة قائمة على النتائج، وضبط النفقات عبر سقوف قطاعية، وتعظيم أصول الدولة، تحسين كفاءة الدعم، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وهي توصيات تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات ولما هو مطلوب لتحسين مسار المالية العامة.
وتخلص الورقة إلى أن نجاح موازنة 2026 مرتبط بقدرة الحكومة على ضبط نمو النفقات الجارية وتعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية ورفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي، بما يضمن تحريك عجلة النمو وتخفيف الضغوط المالية مستقبلًا.



