رشوة غزّة… و”مجلس حرب” ترامب

خالد الحروب

حرير- يمثّل ما يُسمّى “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أحدث تجلٍّ لما يمكن تسميتها “عقيدة ترامب” في السياسة العالمية. يتجسّد هذا في طرح “المجلس” الجديد منظمة عالمية جديدة، بديلاً عن الأمم المتحدة والقانون الدولي، وكل ما توافق عليه العالم بعد الحرب العالمية الثانية. يتذاكى ترامب وبطانته في توظيف غزّة باعتبارها مدخلاً تمويهيّاً يُخفي جوهر المجلس بالغ الخطورة. ولولا استخدام مأساة غزّة ذريعةً، لما أمكن طرح فكرة تحاول تغيير النظام الدولي برمته؛ إذ كان من شأن مبادرة كهذه أن تُرفَض من حيث المبدأ رفضاً قاطعاً. غزّة وإعادة إعمارها ليستا سوى الواجهة الهشّة والذريعة، أو الرشوة المقدَّمة للعالم، كي تقبل الدول والفاعلون بالانضمام إلى “المنظمة الدولية” الجديدة تحت قيادة ترامب. الصوت الأكثر وضوحاً في الاعتراض من قلب معسكر الرأسمالية الليبرالية كان من رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الذي أبدع في خطابه في دافوس، ووصف سياسة ترامب بأنها تدمر البنية القانونية الدولية، من دون لفٍّ ودوران. ودعا الدول إلى أن يكون لها رأي ودور على الطاولة، عوض عن أن تكون عناصر في قائمة الطعام يتم التهامها على الطاولة بالتتالي.

تتلخّص “عقيدة ترامب” في تركيزها على مبدأ “أميركا أولاً”، أي وضع الولايات المتحدة ومصالحها فوق جميع الاعتبارات الأخرى، وعلى حساب الآخرين بما في ذلك مصالح أقرب حلفائها. ويمثل مبدأ “نطاق النفوذ” وتوسيعه عنصراً آخر من عناصر عقيدة ترامب؛ وهو نطاق يمتد من نصف الكرة الغربي والمحيط الأطلسي، وقد يصل إلى أي منطقةٍ يراها ترامب مناسبة. يُضاف إلى ذلك، وضمن العقيدة نفسها، السعي المحموم إلى السيطرة على الثروة العالمية، ويُترجم ذلك على شكل اندفاعٍ لا يهدأ لفرض الهيمنة على مصادر الثروة عالميّاً، حيثما أمكن ذلك، سواء عبر أدوات اقتصادية قسرية أو، عند الضرورة، باستخدام القوة العسكرية.

وأخيراً وليس آخراً، هناك، وفي قلب العقيدة الترامبية، تجاوز واحتقار للأمم المتحدة والقانون الدولي، وأي أعراف عالمية تعترض طريق تحقيق الأهداف الأميركية كما يراها ترامب، الذي ألغى، وبضربة قلم واحدة، عضوية أميركا في 66 اتفاقية ومعاهدة ومواثيق تابعة للأمم المتحدة.

… على تلك الخلفية، وبعيداً عن الزخرفة الخطابية واللغة التجميلية التي جاء بها الإعلان عن المجلس و”ميثاقه”، يمكن فهم “مجلس الحرب” المُعلن بأنه الأداة الرئيسة لتنفيذ عقيدة ترامب على المستوى العالمي وتحليله. يوضح ميثاقه بجلاء أن طموحات المجلس تتجاوز غزّة بكثير. وهو يسعى، في جوهره، إلى إنشاء منظمة دولية بديلة، تُقدَّم بوصفها بديلاً عن الأمم المتحدة وعن ما يصفها “الميثاق” بـ “المؤسسات التي فشلت في أحيانٍ كثيرة”. المجلس وميثاقه يحاولان تغليف المشروع الاستعماري الجديد للولايات المتحدة بأنه مهمّة في خدمة السلام العالمي. ومن خلال التنمّر والتهديد والبلطجة، سوف يُدفَع ما يُسمّى “الأعضاء” إلى المصادقة على سياساتٍ تمليها واشنطن، مع إعادة تقديمها مبادرات سلام توافقية. ماذا ستكون مواقف هؤلاء الأعضاء لو قرّرت الولايات المتحدة، مثلًا، مهاجمة (أو غزو) كوبا أو إيران، أو أية دولة ثالثة، مع تسويق هذا العدوان عبر المجلس، بوصفه خطوة في اتجاه السلام العالمي؟

وضعت غزّة في صدارة مشروع “مجلس الحرب”، مع أن ميثاقه العتيد لم يذكرها ولا مرّة واحدة. يقوم كل الزخم والادّعاء الترامبي- الأميركي على دعاية أن المجلس سيتولّى حشد الجهود والإشراف على إعادة إعمارها. ومن المرجّح، بالفعل، تنفيذ عدد محدود من المشاريع التجميلية والجاذبة إعلاميّاً في غزّة، بغرض تصنيع قدر من المصداقية. غير أن خطط المجلس بشأن غزّة تنطوي على جوانب هزلية واحتقارية للفلسطينيين لا حصر لها، تكشف أن غزّة ليست سوى واجهة “خيرية” مؤقتة، فهذه الخطط تُبرّئ إسرائيل عمداً من أي مسؤولية عن تدمير غزّة والإبادة التي تعرّض لها أهلها؛ ولا تتضمّن أي إشارة، ولو رمزية، إلى حق تقرير المصير الفلسطيني؛ أو الدولة الفلسطينية، كما تُكرّس الفصل السياسي بين قطاع غزّة والضفة الغربية؛ وتُقصي الفلسطينيين بالكامل عن المشاركة في تقرير مستقبلهم. وبدلاً من ذلك، دعا “مجلس الحرب” مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إلى عضويته، وليشارك الجميع أفكاره العبقرية في البتّ في مصير الشعب الذي أشرف بنفسه على تدميره.

… ثمة سيناريوهان برسم مستقبل “مجلس الحرب” العتيد: الأول، أن يؤول مصير المجلس إلى مزابل التاريخ رويداً رويداً، وتخبو العاصفة الإعلامية والتلميعية حوله. ويتحوّل إلى مجرّد حادثة عارضة، مثل الأحداث الأخرى الترامبية ذات الإيقاع الصوتي والاستعراضي العالي، وبوصفه عرضاً إعلامياً آخر على الطريقة الترامبية: صاخب، استفزازي، وقصير العمر. وفي هذه الحالة، سيُشبه “صفقة القرن” التي رُوّجت على نطاق واسع عام 2020، والتي انتهت إلى إنتاج عناوين صحافية أكثر مما أنتجت نتائج ملموسة. فتصميم المجلس نفسه وشكله وهندسته تحكم عليه بقصر العمر، حيث فُصّل على مقاس ترامب شخصياً، وغير قابل للفصل عنه. ترامب هو الرئيس للمجلس، وهو سلطته القضائية والتشريعية العليا، ويمتلك سلطة مطلقة وغير خاضعة للمساءلة، حسب ما يفصل “الميثاق”: وحده يوجّه الدعوات إلى الإنضمام ويقيل الأعضاء، ويفسّر الميثاق، ويفصل في النزاعات، ويحلّ المنظمة متى شاء. وبذلك، لا يُبنى المجلس بكونه مؤسسة، بل امتداداً لإرادة رجل واحد مهجوس بذاتيه ونرجسيته الفجة.

أما السيناريو الأخطر، فلا يكمن في قِصَر عمر المجلس المتوقع، بل في الأفكار التي يُدخلها إلى السياسة الدولية. فحتى إذا انهار المجلس العتيد نفسه، فقد تعمّر أفكاره الأساسية، وتتصدر الثقافة السياسية الأميركية وتحتل تيارها الرئيس mainstream، مغريةً قادةً مستقبليين باعتناق نموذجها العدواني الأحادي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تعكس “عقيدة ترامب” مجرّد سمات رئيس عابر، أم تكشف عن جوهر أعمق وأطول أمداً في السياسة الأميركية؟ وعليه، الشكوك والقلق العميق ليسا مبرَّرين فحسب، بل ضروريان. فـ “عقيدة ترامب” تبدو بمثابة مؤشّر على تحوّل بنيوي في الاستراتيجية الأميركية، نحو نمط دائم من المواجهة بدلاً من الاضطراب العابر. وهي تحتقر الأمم المتحدة علناً، وتُبدي ازدراءً واضحاً بالمعايير الدولية والحوار والدبلوماسية. مواجهة هذه الاستراتيجية الكولونيالية لن ينجح عبر طرائق الاسترضاء ومحاولات الاحتواء، كما حدث وما زال يحدُث من معظم الدول في تعاملهم مع ترامب. الكل يدرك جنونه، ولكن يتفاداه عبر استرضائه ومنحه ما يريد، اتقاءً لشرّه. هذه سياسة قصيرة النظر ومُدمّرة، ما هو مطلوب اتّباع الوصفة التي قدّمها رئيس الوزراء الكندي: الوحدة في وجه ترامب ورفض إملاءاته وسياساته ومجلسه ودفع ذلك كله إلى الوراء. من دون ذلك، سوف يسخر الجميع أرضاً جديدة لترامب كل يوم، ومعها ثروات وسيادات وكرامة أيضاً.

 

مقالات ذات صلة