الفساد دم يجري

كنا نكره الحمّام، وطقوسه الأسبوعية، ونهرب منه مثلما نهرب من معلم واجهنا بزقاق. فحين تقع بين قبضة الأم وصابونها الكثيف، لن يفيدك جعير، أو عويل، أو استغاثة أو محاولات بائسه للهرب.

صحيح كانت تعجبنا رائحة جلونا، وشاليشنا اللامع (مفرق الشعر)، وخدودنا الكرزية عقب ذلك الحمام العجيب، إلا أننا لم نكن نحب الوقوع به، ليس لأن الأمهات لا يستخدمن شامبو لا يدمي العيون، ولا لأن الماء المُسخن على الحطب وصل لحرارة تليق بمعط دجاجة. ولا لأن اللقن (الوعاء المعدني) ضيق زلق، والمفرمة خشنة كمبرد. بل نكره الحمام؛ لأنه يوم حساب عسير، لا شفعاء فيه.
فالأم كانت تؤجل وتذخر كل عقوبة مستحقة لهذه المناسبة السعيدة، ولهذا كان وعيدها (وين بدك تروح؟!، بديش أمسكك؟!)، طبعاً مع العض على الأصبع أحياناً، مع إطلاق بعض شتائم تخص الأب!.
ولهذا فحين تقبض عليك وتجرك للحمّام، عليك أن تتشهِّد، وتوصي إخوتك بآخر أحلامك، وقد يبدأ مشوارك بخلع الملابس بلين كاستدراج ذكي من الأم، ريثما تغدو (زلطاً ملطاً).
ثم تسنُّ الصابون على ليفتها بعصبية، وتبدأ بتلاوة محضر الذنوب وعمليات الفساد الذي نفذتها طيلة أسبوع: ليش وسخت قميصك بالطين؟، وليش صفّرت بالرياضيات؟، وتعربشت على دالية الجيران، وبصبصت عليهم من خرم الباب، وليش راجدت على بوابة دار جبور؟، وسطيت على خم جاجات أم سعيد.
وخلال تلاوة المحضر توقع زخات متفرقة من الصفعات الرنانة، والقرصات المباغتة اللولبية، وشد خدود، ومرس أفخاذ. وإذا كنت فاسداً كبيرا فقد تتلقى كمادا (قبضة) مدججاً بلوح صابون المفتاحين: الله يرحمك.
في هذا الوضع لا يكون أمامك سوى (الزعبرة) وطلب المغفرة، و(بوس التوبة سبع مرات)، فهذا قد يخفف عليك، ونصيحة مجرب، عليك ألا تفكر بالهرب، ليس لأنك عارٍ، بل لأنك ستلف وتدور لتعود للقن مغمض العينين، فيتجدد العقاب، وقوة الكماد (اللكمة).
أتمنى لو أن الفساد في بلادنا كان وسخاً، أو تعباً ( فالتعب يسيل مع الغسيل والحمام)، أتمنى لو كانت الأمور بهذه البساطة والعفوية، لكنت طلبت من أمهاتنا الطيبات أن يجهزن لقناً بمساحة حوض البقعة، وليفة كجبل القلعة، وماء يغلي يليق بدجاجة (عتقية).
لكن الفساد (نخاع جواني) عند بعضنا، يتأكد هذا كلما سمعنا عن قضية فساد،  أو تنفيعة لم تفبرك بشكل جيد. ولهذا نقول بحسرة: لوكان الفساد وسخاً لحممنا مفسدينا بدلك غاضب، يعيدهم برائحة طيبة، وشاليش لامع. لكن الفساد شيء آخر، لا يقوى عليه صابون، هو يتخلق في نخاع العظام، إنه نسغ في عروق بعضنا، قبل أن يتحول إلى دم يجري. الفساد ليس بحاجة إلى حمام، بل إلى …

رمزي الغزوي

مقالات ذات صلة