إقصاء نتنياهو وبن غفير لن يوقف الإبادة

لميس أندوني

حرير- يبدو أنّ هناك رهاناً عربيّاً رسميّاً وعالميّاً على احتمال هزيمة رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، في انتخابات الكنيست في الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، إن أُجريت، بما يقلّص من خطر التهديدات الإسرائيلية ضدّ الدول العربية، وقد يفتح نافذة لمفاوضات، على الأقلّ لحماية “سيادة” هذه الدول من اجتياح أو استمرار التوغّل في أراضيها. إذا كان الأمر كذلك فهو وهم خطير. فحتى لو سقط تحالف نتنياهو، فإسرائيل وصلت إلى مرحلة أنّ من يتسلّم الحكم سيستمر في الهجمة الاستيطانية وسياسة التهجير التدريجي في الضفة الغربية، ومحاولة محو غزّة، بتضاريسها ومجتمعها، من الوجود. لأنّ هذا هو المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، والذي يقوم على إحلال لا يمكن أن يتغيّر أو يتوقّف، خصوصاً وأنّه في مرحلة رعب من استفاقة عالمية ضدّه.

قد يُبطِّئ “الحُكّام الجدد” اندفاع الاستيطان والتهجير والقتل، لكنّه لن يتوقّف. بل يعتقد المجتمع الإسرائيلي أنّه لا بُدّ من انتصار حاسم، ومن هنا يأتي مُسمّى الخطط “بالحسم”، وهي كلمة أصبحت تتردّد وكأنّها الشعار الجديد للصهيونية. وللإدارة الأميركية رأي آخر، كما ورد في تقرير لصحيفة إسرائيل هيوم، في 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 2026، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يزِن خياراته، ومنها السعي إلى اتفاق بين الأطراف الإسرائيلية، بغضّ النظر عن نتيجة الانتخابات، إلى إبقاء نتنياهو في موقع المسؤولية عامين، تكون مرحلة انتقالية لتولي ائتلاف المرشّح غادي إيزنكوت مهام الحكومة كاملاً.

إذا صحّ الخبر، يسعى ترامب إلى “حفظ ماء” وجه نتنياهو، وبالتالي إسرائيل، بعد صفعات الإهانة والعزلة، عالميّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً، كما ثبت في انسحاب أغلبية الوفود فور صعود نتنياهو إلى منبر الأمم المتحدة لتوجيه خطابه في 24 الشهر الماضي (سبتمبر/أيلول).

يبدو السيناريو غريباً وغير واقعي، إلّا إذا لم يفز إيزنكوت بأغلبية، وحينها يحتاج إلى ترتيب مع ائتلاف نتنياهو، ولماذا قد يقبل إيزنكوت بمثل هذا الترتيب لو فاز فريقه بالانتخابات؟ لكنّه يدل على حرص ترامب على أنْ لا تُعتبر “هزيمة نتنياهو” انتصاراً للفلسطينيين وللمعارضة العالمية المُتسعة عالية الصوت ضدّ الدولة الصهيونية. وقد لا يكون سيناريو ترامب بهذه الأهمية، لكنه مؤشّر على أنَّ واشنطن قلقة من ازدياد عزلة إسرائيل، وتعتقد أنّ هزيمة نتنياهو ستكون انتصاراً “لأعداء إسرائيل”.

من المُستبعد أن ترضى أوروبا بمثل هذه السيناريو. لكن الموقف الغربي الأوروبي لا يعكس موقفاً أخلاقيّاً حاسماً حيال اندفاع الدولة الصهيونية بتنفيذ مُخطّطاتها الكولونيالية الإحلالية، وإن كانت بعض الدول الأوروبية تسعى إلى تهدئة هذه الاندفاعة ووقف أو عقلنة “الوحشية”. والمشكلة أنّ معظم هذه الدول، وليس جميعها، تريد اختصار الجريمة بشخص نتنياهو وزعيمي المستوطنين الأكثر قسوة، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش. أي عدم مواجهة جوهر السياسات الإسرائيلية والمشروع الصهيوني، في عملية خداع للنفس وحماية للمصالح. وفقاً للسيناريو الذي نشرته “إسرائيل هيوم”، فإبعاد بن غفير، جزء مهم، وكأنّ المشكلة تتلخّص في شخصية بن غفير الإجرامية. ولا شك أنّ المذكور شخصية إجرامية بوضوح ووقاحة، يحرج واشنطن ويؤذي إسرائيل. لكن التظاهر بأنّه أصل المشكلة نوع من الكذب والخداع، فالمشروع الاستيطاني الإحلالي لم يبدأه بن غفير أو سموترتش أو حتى نتنياهو، بل بدأته قيادات الحركة الصهيونية منذ انطلاقها. أمّا تهديم البيوت وتجريف الأراضي الزراعية وبناء المستوطنات بعد حرب 1967 فبدأه حزب العمل، الذي كان الغرب يصرّ على أنّه يمثّل “اليسار والاعتدال” الإسرائيلي. لكن الكذب والخداع ونشر الأوهام ضروري لاستمرار إسرائيل وللمصالح الغربية، التي تتجاوز السياسة إلى الصناعات العسكرية وسرقة ونهب موارد الطاقة وتسويقها وتوظيفها في صراعات القوّة والسيطرة على المنطقة والأسواق الإقليمية والعالمية. فالمشروع الصهيوني برمّته مبني على سرقة الأرض وتهجير سكانها، فمنذ بداية إنشاء الكيان هدمت إسرائيل أكثر من 770 قرية ومدينة وطرد سكانها، فعمدت عصابات الأرغون وشتيرن والهاغاناه إلى ارتكاب المجازر وحرق البيوت وإجبار السكان على المغادرة تحت تهديد السلاح. أي أنّ بن غفير ليس امتداداً للنهج والعقلية الذين لم يوقفهما العالم حينئذ، وهو لا يوقفها الآن، بل بالعكس إسرائيل ارتكبت وترتكب حرب إبادة حيّة أمام الكاميرات والشاشات، فلماذا نتوقّع أنّ إقصاء نتنياهو وبن غفير سيُغيّر هذا النهج الإجرامي؟

العالم يتغيّر، والصحوة العالمية لا تقتصر على ازدراء نتنياهو وبن غفير، بل ازدراء الصهيونية نفسها التي أصبحت بمثابة شتيمة، بل وتهمة مُثبتة بالعنصرية والإبادة والتطهير العرقي. عليه؛ فإنّ الرهان على الانتخابات وسقوط نتنياهو ليس إنكاراً لهذه الحقائق فحسب، بل يساعد أميركا في حملتها لإنقاذ سمعة إسرائيل.

بصراحة شديدة، الرهان على انتخابات تقصي نتنياهو وبن غفير موقف جبان أو على الأقل يفتقر إلى الشجاعة. لا يعني هذا أنّه ليس هناك ضرورة لهزيمة نتنياهو وبن غفير في الانتخابات، لكن أن يُصوّر هذا الطريق إلى إنهاء حرب الإبادة ومشروع التهجير وعمليات القتل اليومي، فيعني أنّ الدول العربية ومعظم العرب لا يريدون مواجهة حقيقة إسرائيل وإيقاف مشروعها الإجرامي. فمعظم الأنظمة العربية تريد إثبات حسن النية وكأنّها التي تحتل وتجتاح وترتكب حرب إبادة ضدّ الإسرائيليين. لذا؛ من الضروري العودة إلى التزامها كدول أعضاء في محكمة العدل الدولية في لاهاي بمتابعة مُقاضاة إسرائيل، كما أشار مقالي السابق، ففوز القاضية الشجاعة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، وهي التي قادت لجنة الأمم المتحدة التي حقّقت وأثبتت أنّ إسرائيل ترتكب حرب إبادة ضدّ الشعب الفلسطيني، إضافة إلى جهود جبّارة أخرى، فالأبطال كثر، ومنهم جميلة الروح فرانشيسكا ألبانيزي، والأهم أنّ شجاعة الشعب الفلسطيني وصموده يبقيان مُحفّزاً للسير في الطريق نفسه ومراكمة الجهود.

انتظار نتائج الانتخابات لاتخاذ قرارات مصيرية مصيبة من حيث قصر النظر وغياب الرؤية الاستراتيجية. وهو ما لا تحتمله المرحلة. إسرائيل ماضية في خطواتها لمحو الهُويّة الفلسطينية، فإذا لم نفهم ماذا يحدث في مناطق فلسطين 1948، أي أول جزء من الوطن جرى استعماره، فلن نفهم شيئاً.

ما يحدث أنّ إسرائيل تحاول أن تفرض عليهم التخلّي عن حقوقه وهُويّتهم الوطنية، وتقول لهم إنّ لا قيمة لهم ولإنسانيتهم. فإذا لم تفهم الدول العربية معنى الإبادة والتهجير والتطهير العرقي وحملة إجبار فلسطينيي 1948 على فك ارتباطهم بشعبهم وتاريخهم، فلا أمل يُرتجى. والمشكلة من الأساس أنّ النظام العربي رفض رؤية حقيقة المشروع الصهيوني، طبعاً كان هناك استثناءات وقرارات مهمّة، لكنّها لم تُنفّذ، حتى وصلنا إلى لحظة فاصلة، فلا تختزلوا معركة المصير بإسقاط نتنياهو وبن غفير!

مقالات ذات صلة