
خارج الكادر
د. ربا زيدان
مطلع أكتوبر، انتشر على منصة X مقطع مدته دقيقتان لطالب ثانوي باريسي اسمه إلوان. كان يقف أمام ثانوية جاك ديكور، يجيب بهدوء وثقة عن أسباب الاحتجاجات الطلابية، بفرنسية فصيحة لفتت الانتباه بقدر ما لفتته حجّته، حتى شبّهه بعضهم بأنطوان دوانيل، مراهق فيلم تروفو “الضربات الأربعمائة”. في يومه الأول تجاوز المقطع ثمانية ملايين مشاهدة، وتخطّت النسخ المقتطعة منه أحد عشر مليونًا على تيك توك. وخلال أيام، صار الطالب الذي لم يكن يعرفه أحد واحدًا من أبرز وجوه حركة احتجاجية اتسعت في أنحاء فرنسا.
وللمدرسة نفسها ذاكرة يصعب تجاهلها، ففيها تأسست في ديسمبر 1967 أول لجنة عمل ثانوية، ضمن الحراك الطلابي الذي سبق أحداث مايو 1968. وبعد نحو ستة عقود، يجد طالب من المدرسة ذاتها نفسه في قلب صورة احتجاجية جديدة.
مطالب الحركة ليست عصيّة على الفهم: معلمون يحضرون بدل حصص تضيع لأن الغائبين لا يُعوَّضون، ومبانٍ لا تتحول إلى أفران في موجات الحر، ويوم دراسي لا يمتد من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً، ونظام قبول جامعي أقل غموضًا. والأرقام تمنح هذه الشكاوى وزنها. فقد خسر طلاب المرحلة الثانوية العامة في فرنسا خلال العام الدراسي 2024–2025 أكثر من خمسة عشر مليون ساعة تدريس بسبب عدم تعويض المعلمين الغائبين، ولا يشعر سوى 44% من المراهقين بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة بأن رأيهم يُؤخذ في الحسبان. وفي سين سان دوني، تتحدث تقارير رسمية عن نقص مزمن في الكادر وتدهور المباني وفجوة في الإنفاق تصل إلى نحو ألفي يورو أقل للطالب مقارنة ببقية فرنسا.
لكن المشهد الذي جعلني أكتب هذا المقال جاء بعد ذلك.
حين تكاثرت الكاميرات حول إلوان، وصار الصحفيون يتعاملون معه كأحد وجوه الحركة، صرفهم عنه. طلب منهم أن يذهبوا إلى الضواحي، إلى الشباب الذين يحتاجون فعلًا أن يسمعهم الإعلام، وقال إن هؤلاء هم من لديهم ما يقولونه.
شاب في عمر المدرسة يحصل في أسبوع على ما يطارده كثيرون سنوات: ملايين المشاهدات، وميكروفونات مفتوحة، ومقابلات. وأول ما يفعله بهذا الانتباه أنه يوجّهه نحو غيره. النجومية في زمن المنصات تُقاس بقدرة المرء على جمع الضوء حول نفسه، وقليلون يتذكرون أن الضوء يمكن أن يُستعمل لإنارة آخرين.
وكلما شاهدت المقطع من جديد، وجدتني أسأل: ما الذي جعل الكاميرا تختاره هو؟
إلوان طليق، هادئ، يبني حجّته جيدًا، وصورته مريحة للشاشة. وكانت الكوفية جزءًا من هذه الصورة. لم تظهر على كتفه مرة عابرة، بل لازمته في المقاطع والصور حتى صارت من علاماته. طالب يتحدث عن تفاوت المدارس في فرنسا، وعلى كتفه رمز لقضية بعيدة جغرافيًا، لكنها حاضرة بقوة في وعي أبناء جيله. فالكوفيات والأعلام الفلسطينية حضرت بكثافة في مواقع الاحتجاج، وفي بعض التغطيات بدا أن غزة حاضرة في الصورة أكثر مما كانت حاضرة في الخطب. ومع ذلك، لا أستطيع أن أمنع نفسي من سؤال صغير: هل كانت الكوفية ذاتها ستُقرأ بالطريقة نفسها على كتف مراهق من الضواحي؟
فإلوان لم يكن أكثر الطلاب تضررًا. الشكاوى الأقسى جاءت من مدارس الضواحي، من صفوف مكتظة ومرافق متهالكة ونقص مزمن في المعلمين.
لكن الإعلام يحتاج إلى وجه واحد كي يحكي قصة آلاف، وإلى جملة واضحة كي يختصر واقعًا مرتبكًا، فيختار غالبًا الوجه الأقرب إليه. ولا مشكلة في إلوان نفسه. المفارقة الجميلة أن الوجه الذي اختارته الكاميرا كان أول من نبّه إلى من بقوا خارج الكادر.
ولا تعني قصته أن كل ما يقال عن المنصات واقتصاد الانتباه كان خطأ. المنصات ترتّب وتقترح وتضخّم، ونحن أيضًا نقرر أين نتوقف وما الذي نمرره إلى غيرنا. ما حدث أبسط من ذلك وأكثر إثارة للاهتمام: الفكرة الجادة ما تزال قادرة على العبور داخل بيئة صُممت لاصطياد الانتباه، إذا وجدت الصوت واللحظة اللذين يجعلان إصبعًا يمر سريعًا فوق الشاشة يتوقف.
لا أريد أن أصنع من إلوان قدّيسًا، ولا من الحركة الطلابية الفرنسية حكاية رومانسية. الاحتجاجات شهدت عنفًا وصدامات واعتقالات، ودخلت سريعًا في قلب الاستقطاب السياسي الفرنسي.
لكن ربما لا تكمن قيمة إلوان في أنه صار نجمًا، بل في أنه وسّع قليلًا صورة من يمكن أن يكون نجمًا أصلًا: شاب في ساحة مدرسة، يحمل قضية وحجّة وكوفية، ويجد طريقه إلى ملايين الشاشات.
ولا أمانع شخصيا أن تفرض علينا الخوارزمية، بين حين وآخر، مزيدًا من هذه الوجوه..



