إسرائيل وإسبرطة واستراتيجية الأمن القومي الجديدة

أحمد الجندي

حرير- لعلّ أكثر ما يختصر وصف استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة التعبير الذي استخدمه بنيامين نتنياهو حين وصف إسرائيل بـ”إسبرطة فائقة”، ويقصد أن تصبح أكثر استعداداً لتحمّل حروب ممتدّة وعزلة دولية محتملة، بما يعنيه هذا من إعادة تصوّر للعلاقة بين الدولة والأمن، وإعداد اقتصادها لمتطلّبات الحروب المستمرّة، وتعبئة المجتمع لحرب دائمة، والمبادرة إلى الذهاب إلى التهديدات بدل انتظارها. بمعنى أن تنتقل إسرائيل من نموذج الدولة التي تحتاج إلى التفوّق العسكري كي تنعم بالاستقرار، إلى دولة تجعل الاستعداد الدائم للحرب نفسه شرطاً للاستقرار. غير أنّ هذه النقلة تطرح مفارقةً جوهريةً: فالدولة التي تريد أن تصبح أكثر قدرةً على البقاء في بيئة معادية قد ينتهي بها الأمر إلى نموذج يستهلك مقوّمات قوّتها من الداخل؛ إذ إنّ “إسبرطة” لا تعني وجود جيش أقوى فحسب، بل تعني كذلك اقتصاداً أكثر عسكرةً، ومجتمعاً يزداد إنهاكاً، وعلاقات خارجية أكثر صعوبة. ومن هنا لا يقتصر السؤال الذي تطرحه استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة على: كيف تستطيع إسرائيل أن تصبح أقوى؟ وإنّما: هل نموذج “إسبرطة” قادر أصلاً على منحها الأمن الذي تطلبه؟

ترى دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (18 أغسطس/ آب الماضي) بعنوان “الاستراتيجية الأمنية الجديدة: منطق معيب وتهديد للأمن القومي”، لكبير الباحثين عوفير شيلح، أنّ إسرائيل تبني استراتيجية أمن قومي جديدة، مستشهداً بالسياسة الأمنية الحالية للدولة وتصرّفات جيشها، ومضاعفة الموارد المخصّصة للاحتياجات الأمنية، فضلاً عن خطاب القيادة السياسية والأمنية. ويعتقد شيلح أنّ الترتيب المنطقي في وضع استراتيجية للأمن القومي يتطلّب عادةً تحديد التهديدات والتحدّيات وترتيبها، ثمّ البحث عن الأساليب اللازمة لمواجهتها، ووضع خريطة مرسومة للتهديدات قصيرة المدى وبعيدة المدى. إلّا أنّ المتغيّرات المتسارعة في العالم والمنطقة تجعل محاولة رسم هذه الخريطة مسألةً عديمة الجدوى.

لكنّ ثمّة مسألة أكثر أهمّيةً في نظر الكاتب؛ إذ لا يكمن أساس استراتيجية الأمن القومي في التهديد الموضوعي، بل في التصوّر الذاتي لجوهر الدولة، بمعنى أنّ النقاش لا يفترض أن يتمحور حول كيفية الاستجابة بشكل أفضل للتهديدات، بل الإجابة أولاً عن سؤال: من نحن؟ خصوصاً أنّ الاستراتيجية العسكرية جزء من استراتيجية الأمن القومي، ولا يمكن أن تتعارض الأولى مع الثانية التي تشمل العلاقات الخارجية، والقدرة على الصمود الاجتماعي والاقتصادي. لكنّ المشكلة أنّ مخرجات اللجان التي كانت تدرس استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي كانت تركّز دائماً على مجال الأمن الضيّق، من دون أن يشمل جميع مجالاته بمعناه الأوسع، ومن ثمّ التركيز على العمل العسكري أساساً. وينفصل النقاش في أكثر الأحيان عن تداعياته على مكوّنات أخرى للأمن القومي مثل الشرعية الدولية والمحلّية، والمرونة الاجتماعية والاقتصادية… إلخ. وهو خلل يبرز خصوصاً عند مناقشة استراتيجية الأمن الجديدة.

تنطلق الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة من تصوّر أنّ العالم كلّه ضدّ إسرائيل، وأنّ عزلتها الدبلوماسية حقيقة دائمة؛ وهو تصوّر نابع من كلام نتنياهو نفسه (ديسمبر/ كانون الأول 2025): “لقد سمحت أوروبا بهجرة أقلّيات مسلمة صارت تؤثّر في الحكومات وفي إمدادها إسرائيل بالسلاح (…) العالم يتشكّل في تكتّلات ونحن لا ننتمي لأيّ منها، ونتعرّض لهجمات من جميع الجهات، وهذا يدفعنا إلى نوع من العزلة”. وهو كلام يعفي جرائم إسرائيل من مسؤوليتها عن هذه العزلة.

يعني ذلك أنّ الإجابة عن سؤال “من نحن؟” جعلت إسرائيل دولةً معزولةً، تواجه الأعداء في كلّ اتجاه، وهو ما يفيد بأنّ التوصّل إلى اتفاق دبلوماسي، باعتباره مساراً طبيعياً لنهاية أيّ مواجهة عسكرية، لن يكون ممكناً أو مرغوباً. ويفيد كذلك بأنّ أفعال إسرائيل هي ما ستحدّد مكانتها وخريطة التهديدات والفرص التي تواجهها، مع حرصها على أن يكون هذا التحرّك بأقصى قدر من دعم القوى العظمى. لكنّ التهديد، على الرغم من ذلك، سيبقى في كلّ الحالات شاملاً ومستمرّاً. ويضاف إلى ذلك أنّ إسرائيل ستكون مضطرةً إلى التوسّع في الإنتاج العسكري لمواكبة حملاتها الدائمة، مع ما يعنيه من أعباء اقتصادية غير محدودة، وهو ما تجلّى فعلياً في مضاعفة الميزانيات العسكرية في السنوات الماضية.

لا يتوقّف الأمر بالطبع على الأعباء الاقتصادية، بل يمتدّ إلى الشقّ الاجتماعي، والقدرة على خوض حرب مستمرّة في ظلّ نقص القوّة البشرية في الجيش يبلغ نحو 12 ألف جندي. واللافت هنا أنّ النقاش في إسرائيل انتقل من ضرورة تجنيد الحريديم إلى الاستعانة بمرتزقة، سواء كانوا يهوداً غير إسرائيليين، أو حتّى من غير اليهود، إذ تحوّلت مسألة الاستعانة بالمرتزقة من واقع غير مُعلَن إلى نقاش عامّ لحلّ أزمة نقص الجنود، حتّى في أكبر مراكز الدراسات. ونشر معهد القدس للاستراتيجية والأمن في فبراير/ شباط الماضي مقالاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، والرئيس السابق لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن، إفرايم عنبر، والعميد ساسون حدّاد، يعرض حلّاً لهذه المشكلة، في ظلّ عرقلة عملية تجنيد الحريديم أو تباطؤها، عبر توسيع قاعدة المرتزقة من الخارج، إمّا بدعوة اليهود غير الإسرائيليين إلى الخدمة، أو بتأسيس فيلق أجنبي بخدمة تعاقدية للأجانب، حيث يُدمجون بالكامل في الجيش، ويُعطَون حوافزَ كبيرةً قد تشمل منح الجنسية للمتميّزين، مع تنفيذ رقابة أمنية دقيقة، وأن تراعي عملية الاختيار فحصاً استخباريّاً صارماً، لتُخفّف الأعباء عن الجنود الإسرائيليين، ويُمنح القادة حرّيةً أكبر في اتخاذ القرارات عند النظر في العمليات العسكرية، أو التوسّع فيها، علاوة على احتمال أن يصبح هؤلاء سفراء لإسرائيل في الخارج بوصفهم هدفاً إضافياً في ظلّ ما تعانيه من عزلة.

ولعلّ أهم ما يظهر في الاستراتيجية الجديدة أنّ ما باتت إسرائيل تدركه من استحالة الإنذار المبكّر وفشل استراتيجية الردع التي كانت تعتمدها في الماضي، يدفعها إلى اعتبار أيّ قوّة للعدو تهديداً يستدعي المواجهة. وفي هذا السياق يقول إفرايم عنبر “إنّ كلام نتنياهو عن القتال المستمرّ، وعدم الوقوف ساكناً أمام التهديدات، أو عدم سماحه لأحد ببناء قدرات قد تُستخدم ضدّ إسرائيل، يعني تغيير استراتيجية الأمن التي سادت منذ بن غوريون”.

كانت الاستراتيجية الكلاسيكية، وفق اللواء احتياط، يفتاح رون تال، تعتبر الحرب ضرورةً لإزالة تهديد ملموس وفوري، لكنّ الاستراتيجية الجديدة ترى أنّ الخطر والعزلة الدبلوماسية دائمان وشديدان، وتنطلق من أنّ الإنذار المبكّر محكوم عليه بالفشل، ومن ثمّ تصبح حالة الحرب دائمةً، أيّ إنّ الاستراتيجية الجديدة لم تعد تهدف لضمان وجود إسرائيل وخلق ردع فعال، والحدّ من التهديدات، بل أصبحت دائمةً، لا تهدف إلى إزالة التهديدات الملموسة، بل إلى منع العدو من تطوير أيّ قدرة على الإطلاق، وما كان يقتصر في السابق على تدمير ما يطوّره العدو من أسلحة دمار شامل (مثلما كان في استراتيجية بيغن) سينطبق من الآن على أيّ قدرة تُطوّر أو حتّى على النيّة في تطويرها.

ومن الواضح كذلك أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة أصبحت تعتمد على مبدأ إقامة مناطقَ عازلةٍ خارج الحدود، وهو ما عبّر عنه رئيس الأركان إيال زامير في كلمة له أمام خريجي كلّية الأمن القومي في يوليو/ تمّوز الماضي. وهذا ما فعله الجيش الإسرائيلي في سورية، حين وسّع نطاق المناطق التي احتلّها جنوباً، وكذلك في لبنان، فضلاً عن قطاع غزّة. ومن المرجّح، وفق هذا المبدأ، أنّ إسرائيل لن تكون معنيةً بالانسحاب من المناطق التي وسّعت وجودها فيها في الدول الثلاث، بل ربّما تحتلّ أراضيَ جديدةً، أو تنشئ مستوطنات تجعل وجودها فيها وجوداً دائماً.

تكشف الاستراتيجية مسألةً مهمّةً؛ إذ إنّها تعيد إسرائيل إلى حالة الحرب التي واكبت نشأتها، وترسّخ شعور البيئة الإقليمية غير المستقرّة، وتحوّل دفّة الخطاب من البحث عن الاندماج في المنطقة عبر العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي، إلى سردية الهيمنة العسكرية، فتعمّق بنفسها شعور العزلة، وتخلق أعداء جدداً، بل قد تحوّل بعض حلفائها أعداءً، وهو منطق يظهر في دراسات قادة عسكريين وخبراء استراتيجيين. ففي دراسة كتبها القائد السابق لمركز دادو (الجهاز العسكري لتطوير الفكر العملياتي)، العميد إيال فيخت، ونائب القائد العسكري لفرع الاستراتيجية والتدريب، المقدّم إيتاي خمينيس، دعوا إسرائيل إلى رسم الخريطة السياسية للمنطقة أحاديّاً وبالقوّة، من أجل الحفاظ على تفوّقها.

تصنع إسرائيل إذن عزلتها بنفسها عبر الإبادة الجماعية، وعبر جرّ الولايات المتحدة إلى حرب يعتقد أميركيون كثيرون أنّها تخدم مصالح إسرائيل لا مصالحهم، وتتحرّش بأعدائها المحتملين وحلفائها السابقين فتخلق مزيداً من الأعداء، وتضاعف إنفاقها العسكري وتتجاهل تداعيات استراتيجيتها الجديدة على اقتصادها ومجتمعها.

وهكذا تكمن مفارقة إسبرطة في أنّ القوّة التي صنعت التفوّق حمّلت في الوقت نفسه بذور الأفول، والمجتمع الذي جعل الاستعداد الدائم للحرب أساساً لوجوده انتهى إلى استنزاف قاعدته البشرية والاقتصادية. ومن هنا تكتسب المقارنة مع إسرائيل الراهنة دلالتها؛ فالدولة التي تجعل القوّة العسكرية والاستعداد الدائم للحرب محور أمنها، وتعيد حساباتها الاقتصادية والاجتماعية وعلاقاتها الخارجية لخدمة هذا الهدف، قد تعزّز قدرتها على مواجهة التهديدات الآنية، لكنّها تخاطر في المقابل باستنزاف مصادر قوّتها الأخرى. ومن ثمّ تصبح المفارقة في أنّ ما يفترض أن يكون سبباً في بقاء إسرائيل قد يصبح هو نفسه ما يقوّض الشروط التي جعلت وجودها ممكناً في الأصل.

مقالات ذات صلة