
نساء أمريكا اللاتينية في سباق قيادة الأمم المتحدة
عبد الحميد صيام
حرير- اقترب موعد اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة. وقد بدأت جولات الانتخابات التمهيدية مؤخرا في مجلس الأمن، وستكون هناك جولات قادمة قد تصل إلى خمس، يتم في النهاية اختيار الأمين العام، دون وجود ورقة حمراء من أي من الدول دائمة العضوية، التي تعني استخدام الفيتو. ثم يرسل المرشح إلى الجمعية العامة للتصويت عليه.
ويتسابق لغاية الآن سبعة مرشحين، ثلاثة رجال وأربع نساء. والنساء جميعهن من قارة أمريكا اللاتينة. واختيار امرأة لهذا المنصب وارد جدا بعد 80 سنة على إنشاء المنظمة الدولية، وتولي تسعة رجال هذا الموقع المهم. فالرأي المتداول في مقر المنظمة الدولية أن الوقت قد حان لتولي امرأة لهذا المنصب، ولعلها تحسن القيادة بشكل أفضل من الرجال، وقد لا تخضع لضغوط الدول الكبرى كما خضع كل من جلسوا في المنصب.
فبعض الذين حاولوا ممارسة استقلالية أوسع واتخذوا قرارات جريئة أغضبت إحدى الدول الكبرى انتهى بهم المطاف إلى منعهم من التجديد لدورة ثانية، مثل المصري بطرس غالي، أو الموت قتلا، مثل السويدي داغ همرشولد، أو الأمين العام الأول تريغفي لي، الذي اضطر للاستقالة بعد مقاطعة الاتحاد السوفييتي التعامل معه بعد اتهامه بالانحياز للمعسكر الأمريكي. أما المرشحون الرجال الثلاثة فهم ماكي سال من السنغال وحظوظه شبه معدومة وأولارا أوتونو من أوغندا، وحظوظه أسوأ من زميله السنغالي. والثالث رفائيل غروسي من الأرجنتين، الرئيس الحالي للجنة الدولية للطاقة الذرية وحظوظه جد كبيرة لأنه يحظى بدعم أمريكي لمواقفه من إيران وبرنامجها النووي. وسأركز في هذا المقال على المرشحات الأربع من أمريكا اللاتينة وأقربهن للفوز بالمنصب:
*ميشيل باشيليه- تشيلي: لقد كانت أولى المرشحات، حيث تم ترشيحها من قبل رئيس بلادها غابرييل بوتشي فونتي (آنذاك) والبرازيل والمكسيك في 2 فبراير. وكانت قيادات الدول الثلاث تقدمية. إلا أن رئيس تشيلي اليميني المنتخب عاد في 25 مارس، وسحب ترشيح تشيلي لباشيليه ما أضعف فرص فوزها. وقد قدمت بيان رؤيتها لمستقبل المنظمة الدولية في ثماني صفحات، وعقدت جلسة استماع لها في الجمعية العامة في 21 مارس تحدثت عن رؤيتها وفهمها العميق للتحديات الدولية ومستقبل الدبلوماسية متعددة الأطراف. إنها لا شك أكثر المترشحين والمترشحات خبرة ودراية. فقد انتخبت رئيسة لبلادها مرتين (2006 ثم 2014) وبغالبية ساحقة، حيث سددت ديون تشيلي وأعادتها إلى قلب الاهتمام الدولي فودعها الشعب بالدموع عند انتهاء ولايتها الأولى، ثم عاد وانتخبها ثانية. ثم عينها الأمين العام السابق بان كي مون عام 2011 أول رئيسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة. ومن هناك عينت في المنصب الأكثر حساسية «المفوضة السامية لحقوق الإنسان» (2018-2022). وخلال ولايتها للمفوضية أغضبت كثيرا من الدول الكبرى، خاصة الصين بسبب تقرير عن مسلمي الإيغور وما لحق بهم من انتهاكات حقوق الإنسان، وكذك الهند حيث أعدت تقريرا عما لحق بمسلمي كشمير من انتهاكات. كما انتقدت كثيرا من ممارسات الدول الكبرى، سواء في قضية الهجرة والمهاجرين، أو النزاعات الدولية أو التمييز العنصري القائم على اللون أو العرق أو الدين. لذلك تبدو حظوظ باشيليه ضئيلة أمام اعتراضات الدول الكبرى وعدم تأييد بلادها تحت النظام اليميني الحالي والانكفاء عن شن حملة تأييد قوية كما تفعل الدول عادة لمرشحيها.
*ماريا فيرناندا إسبينوزا- إكوادور: إسبينوزا، من الإكوادور، الرئيسة السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة الثالثة والسبعين (2018)، كما عملت وزيرة خارجية بلادها من قبل. تم ترشيحها من قبل أنتيغوا وباربودا في 11 مايو وليس من قبل بلادها. وتم عقد جلسة الاستماع الخاصة بها في الجمعية العامة في 15 يونيو. بيان رؤيتها يمتد على 10 صفحات. كما تم عقد جلسة الاستماع الخاصة بها في الجمعية العامة في 21 مارس. وبعد جلسة الاستماع تهربت من سؤال واضح حول رؤيتها لحل النزاع في فلسطين وتنفيذ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وكأنها تريد أن تطمئن الدول المؤثرة، أنها تقترب من الموقف الأمروإسرائيلي، علما أنها كانت متفهمة للوضع الفلسطيني أثناء رئاستها للجمعية العامة. حظوظها قليلة ودولتها إكوادور لا تقف وراءها.
*ريبيكا غرينسبان- كوستا ريكا: تم ترشيح ريبيكا غرينسبان من قبل بلدها في 3 مارس. بيان الرؤية الخاص بها يمتد على سبع صفحات. جرت جلسة الاستماع الخاصة بها في الجمعية العامة في 22 مارس. وقد قامت غرينسبان بتعليق عملها طوعا كرئيسة لأمانة المنظمة الدولية للتجارة والتنمية (أونكتاد) أثناء ترشيحها لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. وقد عملت قبل الأونكتاد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تقلدت عدة مناصب وزارية في بلادها من بينها نائبة للرئيس. لكن المصادر تكاد تسكت عن علاقتها بإسرائيل وتخرجها من الجامعة العبرية. وقد حاولت الابتعاد عن كل ما يشير إلى تلك العلاقة حتى إنها انفصلت عن زوجها المؤيد للصهيونية حتى لا تحمل وزره، ومحت من سجلاتها كل فيديو سابق قد يوحي بأنها مؤيدة لإسرائيل، حيث كانت تبدأ خطاباتها أحيانا بكلمة «شلوم». وغرينسبات تتمتع بتأييد مطلق من الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي أول انتخابات تمهيدية غير ملزمة في مجلس الأمن حصلت على عشرة أصوات إيجابية واعتراض صوت واحد وأربعة أصوات «بلا رأي». وقد جاء ترتيبها الأفضل من بين جميع المرشحين. الأمور إذا بقيت على ما هي عليه دون تدخلات من المجموعات الإقليمية والدول الكبرى، فلا شك أنها ستكون الأمين العام الجديد.
*كارولين رودريغيز بيركيت- غيانا: تم ترشيحها من قبل غيانا في 15 يونيو. تعمل مندوبة دائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة منذ 2020. بيان رؤيتها يمتد على سبع صفحات. وكانت جلسة الاستماع الخاصة بها في الجمعية العامة قد تمت في 18 يونيو. صوت معتدل وإنساني. وكانت عضوا في مجلس الأمن خلال عامي 2024-2025. وكان صوتها دفاعا عن غزة وجريمة الإبادة من أعلى الأصوات في مجلس الأمن وأصدقها. لم تساوم ولم تتراجع في تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحريته واستقلاله في دولة ذات سيادة. ولن يغفر لها الأمريكيون تلك المواقف المبدئية التي كانت تنتقد الفيتو الأمريكي المتكرر، خاصة عندما اتفقت الدول العشر المنتخبة في مجلس الأمن وطرحت مشروع قرار لوقف إطلاق النار في غزة ثم أطاح به الفيتو الأمريكي. جاء ترتيبها الثاني بعد غرينسبان في جلسة الانتخابات التمهيدية الأولى في مجلس الأمن، حيث حصلت على تأييد 9 أصوات واعتراض صوتين و4 أصوات «بلا رأي». لكن حظوظها قليلة كما أسلفنا.
أعتقد أن الأمور تسير لصالح المرشحين المؤيَدين من التحالف الأمروصهيوني: ريبيكا غرينسبان أو رفائيل غروسي. وإذا لم تحدث مفاجأة في اللحظة الأخيرة وهو أمر محتمل، وإذا استمر الضغط نحو انتخاب امرأة فسيخلو الميدان لغرينسبان وهو ما تنتظره إسرائيل بفارغ الصبر لتحكم قبضتها على المنظمة الدولية عن طريق مقعدها الدائم الذي يجلس فيه المندوب الأمريكي. الموقف العربي من انتخاب الأمين العام الجديد، يجب أن ينطلق من فرضية أن الحكمة في وجود «موقف موحد» للمجموعة العربية في الأمم المتحدة وعدد أعضائها اثنان وعشرون، بالتوافق على مرشح واحد تصوت له جماعيا والضغط على حلفاء العرب في المجموعة الإسلامية ومجموعة الـ77 والصين وكتلة عدم الانحياز ما يمكن أن يشكل قاعدة قوية جدا تستطيع التأثير بشكل رئيسي على نتائج الانتخابات في الجمعية العامة على المرشح الذي يقره مجلس الأمن. فهل نتوقع ذلك؟



