الحرب على إيران وكراهة ترامب لإعادة بناء الأمم

وسام سعادة

حرير- يكاد يمحو الأسبوع الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما جرته على المنطقة من مناخ حرب إقليمية شاملة مشاهد انتفاضة شباب وشابات إيران في أكثر من وثبة ضد النظام الثيوقراطي – الحرسي كانت آخرها من أسابيع وقمعت بالبطش وسفك الدماء.

في الأسبوع الأول من هذه الحرب ظهر النظام الثيوقراطي مقطوع الرأس، إنما بجسم حرسي متماسك حتى الآن وقادر على التهديف في غير اتجاه. ولا ينفي هذا ما أحدثته الهجمات المعادية له من أضرار لا سيما بالنسبة لقياداته من ناحية وقطعه البحرية ودفاعاته من ناحية ثانية.

لكن، أين ذهب مشهد الانقسام المجتمعي الحاد وبالذات الجزء الرافض بالكلية لاستمرار هذا النظام من داخل إيران؟ هل هو مشهد يتحين الفرصة للانقضاض مجددا؟ هل يسعه ذلك قبل نهاية الحرب؟ هل في الوسع انتهاء الحرب من دون هذا المشهد؟

وما يسري في إيران ينطبق الى حد كبير على لبنان أيضا. سوى أن الانقسام في حالة البلد الصغير وصل الى أقصى حد من الوضوح واللارجعة في الأيام الأخيرة. حزب الله يأخذ الدولة اللبنانية رهينة، يقدم على ما يقدم ضاربا عرض الحائط رأي معظم اللبنانيين وكل الطوائف الأخرى من دون استثناء بل ويثير صدمة حتى ضمن البيئة الشيعية بدخوله الحرب “ثأرا” للمرشد الإيراني. والدولة تعلن الحزب خارجا عن القانون، والانقسام حول الحزب يتخفى وراءه الجميع بالتتابع، الحزب نفسه، وأخصامه، والدولة اللبنانية، وإسرائيل. كيف لا تجد الدولة اللبنانية نفسها في حرب إسرائيلية مباشرة على مؤسساتها ومرافقها بجريرة حزب الله؟ وكيف تجد نفسها قادرة على التفلت من المتحاربين ليس فقط على أرضها ولكن أيضا من داخل مفهومها كدولة؟

في وضع كهذا، لا يظهر حتى الآن ما الذي يستشرفه الأمريكيون لكل من إيران ولبنان، ولسائر بلدان المنطقة. يردد مسؤولون إسرائيليون بين الفينة والفينة المانترا حول تغيير وجه المنطقة. لكن هنا أيضا حتى الآن لا يظهر من كل هذا الكلام إلا شهوة لديهم لفرض هرمية متغطرسة بين دول المنطقة هم على رأسها، وشهوة “خرائطية” جديدة تتفق مع هذا. لكن كيف تحكم كل هذه الكيانات الباقية منها في حدودها، أو المعاد تخييطها من جديد؟ ما موقع ناسها من الإعراب؟

هل يمكن أن تنتهي الحرب من دون سقوط نظام الملالي الإيراني من دون أن يعتبر أن الأخير رابح؟ هل يمكن لهذا النظام – في المقابل – اختيار مرشد جديد أصلا؟ “تغيير النظام” ليس مع ذلك بالموضوعة المحببة عند ترامب. إذ يعفي الرئيس الأكثر صخبا وخطورة في تاريخ الولايات المتحدة نفسه وإدارته تماماً من موضوع تصدير أو نشر أو حتى حماية الديمقراطية عبر العالم.في الداخل الأمريكي، يلعب على سردية تجسيد أبناء الشعب من البيض بوجه النخبة و”الدولة العميقة” من ناحية وبوجه الملونين والمهمشين من ناحية ثانية، ويفهم الديمقراطية على أنها كذلك، حكم الأكثرية المختارة. لكن القيم الأمريكية غير معدة للنشر في الخارج. العالم خارج الولايات المتحدة كأنه معد من عناصر طبيعية أخرى.

ترامب هو الداعية الأول للتعامل بواقعية مع النظم التسلطية بل والنهل منها. التخفف من المؤسساتية، تقديم الولاءات على الكفاءات داخل الإدارة، التشكيك بالأجهزة الرقابية والقانونية، ليست بمظاهر عارضة هنا.

كذلك، يفرق ترامب بين الديكتاتور الطيب والطريف وبين الديكتاتور الشرير. الأول هو من يتوصل معه لتفاهم ويرضى بالمكانة المعطاة له في الهرمية العالمية. هو الديكتاتور الذي يعرف حجمه. أما الثاني فطاغية شرير لأنه نمرود ولم يعرف قدره فلزم تلقينه الدرس.

مهتم ترامب بتخفيض تمويل الصناديق والمنظمات التي تهدف لتعزيز الديمقراطية في الخارج، بما في ذلك برامج مراقبة الانتخابات ودعم المجتمع المدني. وهو لا يسعى لتسويغ دعمه لإسرائيل وصولا الى أول تشارك أمريكي معها في حرب تخوضها الولايات المتحدة الى جانب الدولة العبرية ومن دون مشاركة أي عضو آخر في حلف شمالي الأطلسي – حتى الآن، انطلاقا من معزوفة أن إسرائيل هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. أبدا، لا يبدو معنياً بكل هذا اللغو. هو يؤيد إسرائيل لأنها نموذج متقدم من التطرف اليميني في العالم.

أما جماعته، الترامبيون، فتراهم يتوزعون بين “محابي السامية” من غلاة الإنجيليين، الذين لن يهنأ لهم بال قبل رؤية اعادة بناء هيكل سليمان في أورشليم، وبين “لا ساميين جدد” على خلفية أن أمريكا أولا، وإسرائيل ثانياً في الحلف بين الدولتين، كما لو كان هناك مجال أصلا لأن تكون الأمور على غير هذا النحو.

في عرف دونالد ترامب، ليست أوكرانيا طليعة ديمقراطية متقدمة في وجه روسيا الأوتوقراطية، ولا تايوان جزيرة تداول على السلطة في وجه الحزب الشيوعي الصيني. يرى الى تايوان على أنها “نشال” صناعة الرقائق الإلكترونية، وتنال حماية مجانية مستنكرة. وأوكرانيا عبء مالي وعنجهية غير مريحة لا يمكن البحث عن صفقة مع روسيا إلا على حسابها في نهاية الأمر.

الكابوس الذي يمكن أن يجد ترامب نفسه وقد زُجَّ فيه هو أن يرى نفسه ينشر الديمقراطية رغما عنه. مع ذلك حين يباشر الأعمال الهجومية في أول أيام العام باختطاف الرئيس الفنزويلي، ثم يمضي، بمعية إسرائيل، الى قتل المرشد الإيراني “ولي الفقيه”، ويتوعد كوبا بأن دورها آت حتماً، فإنه يصنف من يحاربهم على أنهم أشرار وطغاة، ولا يبدو في المقابل مرتاحا من تولية ليبراليين مكانهم.

ليست هذه بمفارقة عرضية. ليس لأن ترامب يفتح مكانا للديمقراطيين والليبراليين رغما عنه، وبحيلة من حيل التاريخ، حين ينقض على فنزويلا وإيران وكوبا، أو حين يمكن أن تؤدي سياساته الاقتصادية الى زعزعة نظامي الصين أو روسيا. لكن هذا التناقض بين الدفع لضرب رؤوس على أنظمة مع عدم الحماسة لتغيير الأنظمة بحد ذاته هو تناقض ترامبي داخلي الى حد كبير. ترامب يريد أن يحلها بأن يقول: أنا أدمر ما أريد تدميره، ولست معنيا كيف سيعاد إعمار الأنظمة بعد أن أدمر ما أدمر إن تم ذلك بشكل لا يناقض إملاءاتي. منطقه يقلب الطاولة على إرث المحافظين الجدد، أيام بوش الابن، الذين كانوا يؤمنون بأن الهدم يجب أن يتبعه “بناء أمم” في دار الحضانة الإمبريالية. لسان حال ترامب يمكن تأويله في المقابل هكذا : أنا لست متعهداً لبناء ما انكسر”. الـ Nation-building هو ما لا يريده ترامب لا في فنزويلا ولا في إيران ولا في لبنان ولا في كوبا. المفارقة أن الكثير من الفنزويليين والإيرانيين واللبنانيين ومن كوبيي ميامي لا يصدقون ذلك. كراهة ترامب لإعادة بناء الأمم في البلدان التي يتدخل فيها ليست بتفصيل عارض.

معنى هذا أيضا، أنه ليس فقط ليس هناك معنى لمفردة ديمقراطية خارج الولايات المتحدة في عرف ترامب، بل ليس هناك حتى معنى لمفردة دولة خارجها، إلا بشكل تقريبي ومجازي. حجم التفاوت يزداد يوما بعد يوم بين القدرة الأمريكية الفائقة على صناعة وتحطيم الأخصام وبين انسداد الأفق أمام أي إمكانية لصياغة نظام دولي له الحد الأدنى من المعيارية والمأسسة.

مقالات ذات صلة