ترامب بين الحسم والتراجع

سهيل كيوان

حرير- في لحظةٍ تتقاطع فيها المفاوضات مع التهديدات، ويختلط الضغط الدبلوماسي بحشود عسكرية في المنطقة، يبرز سؤال جوهري حول خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير بشأن إيران: هل وضع شرطا واضحا يشمل برنامج الصواريخ الباليستية، أم اقتصر التهديد الصريح على منع طهران من امتلاك سلاح نووي؟

من حيث الصياغة العلنية، كان التركيز المركزي في الخطاب على الملف النووي. كرر ترامب بصيغة لا تحتمل التأويل، أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي «تحت أي ظرف». هذه العبارة ليست جديدة في الخطاب الأمريكي، لكنها جاءت هذه المرة في سياق مشحون، ترافقها تحركات عسكرية هائلة، وتصريحات تؤكد الاستعداد لاستخدام القوة إذا فشلت الدبلوماسية، الشرط إذن واضح: لا قنبلة نووية.

في المقابل، تؤكد إيران أنها لا تسعى إلى إنتاج سلاح نووي، لكنها تتمسك بحقها في برنامج نووي لأغراض مدنية. وتقول إنها مستعدة لبحث آليات رقابة دولية موسعة، مقابل رفع فوري وملموس للعقوبات الاقتصادية، مشيرة إلى أن لديها ما تقدمه في جولة التفاوض التي ستُعقد اليوم في جنيف.

أما ملف الصواريخ الباليستية، فحضر في خطاب ترامب دون أن يتحول إلى شرط تفاوضي محدد. أشار إلى تطوير إيران صواريخ بعيدة المدى قد تصل إلى أوروبا وأمريكا، بهذا يريد أن يكسب موافقة أوروبية في حال توجيه ضربة لإيران وكذلك يوجه رسالة داخلية إلى منتقديه ومعارضي الحرب، بأن الصواريخ إذا تُركت سوف تصل أمريكا. وعلى الرغم من المخاطر التي ذكرها فهو لم يضع تفكيك البرنامج الصاروخي كالتزام صريح أو جدول زمني واضح، كما فعل في الملف النووي. هذا التفريق ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس حساباً سياسياً دقيقاً.

عندما يكون الشرط محدداً مثل منع امتلاك سلاح نووي، يمكن قياسه عبر نسب التخصيب، والمخزون، ونظام التفتيش. أما إدراج البرنامج الصاروخي كشرط صارم، فيعني عمليا المساس ببنية الردع الإيرانية كاملة. فالصواريخ بالنسبة لطهران ليست مجرد سلاح إضافي، بل عنصر مركزي في عقيدتها الدفاعية، خصوصاً في ظل التفوق الجوي لخصومها. تحويلها إلى خط أحمر تفاوضي يعني توسيع النزاع من ملف تقني إلى صراع استراتيجي مفتوح. بهذا المعنى، ركّز ترامب التزامه العلني على النووي، وترك الصواريخ في دائرة الضغط السياسي. هذه الصيغة تمنحه هامش مناورة. فإذا تحقق تقدم ملموس في الملف النووي، يمكن للإدارة الأمريكية تسويق ذلك داخليا ودوليا، كإنجاز يمنع المواجهة، وإذا تعثرت المفاوضات، يبقى ملف الصواريخ ورقة إضافية للتصعيد، أو لتشديد العقوبات. غير أن هذه المرونة تنطوي على مخاطرة. فحين يُرفع سقف الخطاب إلى حد التلويح بالحرب، وحشد القوات من حاملات طائرات ووصول طائرات استراتيجية إلى المنطقة، ورفع حالة تأهب لدى الحلفاء في المنطقة خشية الرد الإيراني، تضيق مساحة التراجع. وإذا اختُزلت المعادلة في «نووي مقابل حرب»، فإن أي اتفاق جزئي قد يُنظر إليه داخليا في أمريكا كتنازل غير كاف، وكذلك في إسرائيل. هنا يظهر التوتر بين منطق الردع القائم على وضوح الخطوط الحمر، ومنطق التفاوض الذي يتحرك في مساحة رمادية. السؤال إذن ليس فقط ما إذا كان الشرط يشمل الصواريخ، بل ما هي حدود استخدام التهديد لتحسين شروط التفاوض، ومتى يتحول هذا التهديد إلى حافة يصعب الانسحاب منها. بعض التحليلات ترى أن ترامب بتصريحاته المتشددة، قد يكون قيّد نفسه سياسيا، بحيث يصبح التراجع مكلفا إن لم تتحقق شروطه كاملة، بل يرى البعض أنه بات مضطرا لتوجيه ضربة عسكرية، لأن إيران لن تستجيب لشروطه كاملة مهما كانت مرنة.

إذا انزلقت الأمور نحو مواجهة عسكرية، فإن حسابات الربح والخسارة تبدو معقدة. عسكريا، قد تحقق الولايات المتحدة مكاسب تكتيكية سريعة عبر تدمير منشآت نووية، أو قدرات صاروخية، ويمكن لترامب أن يعلن أن «المنطقة أو العالم الآن بات أكثر أمانا». لكنها تبقى مكاسب آنية، لا تضمن إنهاء البرنامج، أو إلغاء الدافع السياسي خلفه. فالتجارب السابقة تشير إلى أن ضرب البنية التحتية لا ينهي الفكرة، بل قد يدفع إلى إعادة بنائها بصورة أكثر تحصيناً. بالنسبة لإسرائيل، ترى دوائر واسعة أن ضربة أمريكية حاسمة، قد تزيل خطراً استراتيجياً طويل الأمد. وتبدو الحكومة الإسرائيلية الحالية الفاشية أكثر استعدادا لتحمل مخاطر الرد الإيراني، إذا ضمنت إنجازاً يحد من القدرات النووية والصاروخية لطهران، فهي ستعتبر أنها هي التي دفعت ترامب إلى المواجهة، وأن ما تحقق بفضل القائد «الكبير والعبقري» بنيامين نتنياهو وعلاقته الخاصة بترامب وقدرته على إقناعه. ولكنها في الواقع تطمح إلى أكثر من هذا، فهي تطمح إلى إسقاط النظام كله، واستبداله بنظام الشاه، الذي كان صديقا لإسرائيل قبل الثورة الإسلامية. وعمليا فهي تطمح إلى قلب كل موازين المنطقة. أما واشنطن، فقد تكسب صورة الحزم وتعزيز الردع، لكنها تخاطر بالانغماس في مواجهة إقليمية واسعة في فترة داخلية حساسة اقتصادياً وانتخابياً. وإيران بلا شك ستخسر مادياً من أي ضربة، لكنها قد تكسب داخليا عبر تعبئة قومية، بينما يبقى التحدي الأكبر هو أثر الحرب على اقتصادها واستقرارها بعد سنوات من العقوبات.

بالنسبة للخليج فأي حرب تعني تهديداً مباشراً لمنشآت الطاقة والممرات البحرية. أوروبا تخشى أزمة طاقة جديدة وموجة عدم استقرار إضافية. الصين وروسيا تستفيدان من الضغط على واشنطن، لكنهما لا ترغبان في انفجار يضرب طرق التجارة العالمية، أو يعطل مضيق هرمز، شريان الطاقة الدولي. لهذا تبدو الحرب، في ميزان الربح والخسارة، مقامرة عالية المخاطر. لا أحد يضمن أن تبقى المواجهة محدودة، ولا أحد يستطيع التحكم الكامل بسلسلة الردود المتبادلة. الجميع يقترب من الحافة، لكن لا أحد يرغب بالقفز، باستثناء حكومة إسرائيل التي تعتقد أن كلفة الحرب اليوم أقل من كلفتها في المستقبل، في ما لو لم تعالج المسألة الإيرانية اليوم. تكمن حدود مناورة ترامب، بين الحاجة إلى إظهار الحسم ونجاعة أسلوبه التفاوضي التهديدي، وضرورة إبقاء باب التراجع مفتوحاً، فالسياسة لا تُختبر بقدرتها على إطلاق الحرب، بل بقدرتها على منعها من دون أن تبدو استسلاماً.

مقالات ذات صلة