
الصين تعيد تعريف التعليم لمواجهة المستقبل
طلال أبو غزالة
حرير- جاء الخبر من الصين: إقرار مسارٍ جديد لنيل الدكتوراه يقوم على الابتكار التطبيقي والإنجاز الصناعي، لا على أطروحة تقليدية تُطبع وتُحفظ في أرشيف المكتبات، سهر الطالب الليالي على إعدادها أو ابتاعها جاهزة من دون أن يقرأ سطراً منها من سوق رائج اليوم عماده البحث العلمي، والرسائل الجامعية بشكل خاص. قد نقرأ مثل هذه الأخبار في عالمنا العربي بشيء من الإعجاب أو الاستغراب، ثم نطوي الصفحة ونمضي إلى مدارسنا وجامعاتنا التي ما زالت تعيش بعقلية القرن التاسع عشر لطلاب يعيشون في القرن الحادي والعشرين، في زمنٍ تتغيّر فيه المهارات بوتيرة أسرع من تحديث المناهج نفسها.
لم تُبنَ التجربة الصينية التي انطلق منها الخبر في يومٍ وليلة؛ سبقتها مراجعات عميقة لتكوين المعلّمين، لإعدادهم لا ناقلين للمحتوى، بل مصمّمي تجارب تعلّم. فهناك يخضع المعلّم لتأهيل طويل، وتُمنح له مكانة اجتماعية ومهنية تعكس مركزية دوره. فكلّنا يعلم أن نهضة الصين الحديثة لم تأتِ مصادفة، بل حصيلة استراتيجية طويلة المدى جعلت العِلم والتعليم في صميم مشروع الدولة التنموي منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في عهد دِنغ شياو بينغ عام 1978، فنجحت تماماً وبشكل إبداعي في تشكيل قاعدة بشرية واسعة قادرة على الاندماج أولاً في الاقتصاد الصناعي، ثم في الاقتصاد المعرفي. وعليه، تضاعف الإنتاج العلمي وبراءات الاختراع، ومن ثم انتقلت الصين من أنها مصنع العالم منخفض الكلفة إلى قوة تكنولوجية متقدّمة ضاربة يُحسب لها ألف حساب، وهنا الفرق بين النمو السريع والنهضة الحقيقية.
والمفارقة هنا أن المعرفة لم تعد نادرةً؛ النادر هو من يعرف كيف يفكّر. فالتعليم بصورته التقليدية أفلَ، ليس فجأة، بل بالتقادم. لكن يبدو أننا نحبّ الآفِلين، فما زلنا نقدّس نموذج الصفوف المتراصّة، والمعلّم سلاحه الطبشورة في مواجهة سبّورة، وطالب يعدّ الثواني لانتهاء الحصّة، والاختبار غاية العملية لا وسيلتها. كان هذا النموذج مقبولاً قبل عقود مضتْ (وانطوتْ)، بل ربّما صُمم لعصر المصانع، حين كان المطلوب إنتاج موظّفين منضبطين لا عقولاً. لكنّنا اليوم أمام اقتصاد معرفيٍّ لا يقبل الإرجاء؛ فالوظائف الروتينية تُستبدل بخوارزميات، والمهارات التقنية تتبدل كلّ بضع سنوات، فيما يظلّ كثيرٌ من مدارسنا يفاخر بنسبة نجاح في امتحان وطنيٍّ يقيس قدرة الطالب على الحفظ.
ألسنا هنا أمام خلل بنيوي لا أمام أزمة عابرة، خصوصاً أننا لا نفتقر إلى الموارد بقدر ما نفتقر إلى الجرأة المؤسّسية؟ لدينا ميزانيات للتشغيل والصيانة والإدامة، بينما جوهر العملية التعليمية يبقى كما هو: معلمٌ مثقلٌ بعبء حصص يتجاوز حدود قدرته أحياناً، وصفّ مُكدَّس بطلبة يزاحمون نسمة الهواء، وأهالٍ يبذلون الغالي والنفيس على المنصّات والدورات، والمجد لمن وجد ملخّصاً ليلة الامتحان. عندما يتعلّق الأمر بالتعليم لا أمل ولا عمل. وفي عقلي سؤال مؤلم: هل نثق فعلاً بأبنائنا الطلبة؟ هل نؤمن بأن الطفل العربي قادر على البحث، على الخطأ، على النقاش، على المبادرة، أم أننا ما زلنا نرى فيه وعاءً ينبغي ملؤه بحذر على قاعدة: “إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون”؟
منذ ترؤّسي أول مؤتمر دولي للتعليم في الأمم المتحدة عام 1995، دعوتُ بوضوح إلى تعليم يستلهم المستقبل يقوم على التصميم والاكتشاف والبناء، والإنتاج والانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة الاكتشاف والتفكير النقدي، لنحقّق منظومة ثلاثية الأبعاد: إعداد مهني، وتنمية شخصية، ومواطنة فاعلة. ومع ذلك، لا أرى المشهد قاتماً بالكامل. في أطراف الصورة ثمّة مبادرات صغيرة، ودول عربية عزيزة بدأت مشوار الألف ميل بخطوة. لكن التغيير الحقيقي لن يأتي بتجربةٍ هنا وهناك ولا بشعارٍ عن التحوّل الرقمي، بل حين نعيد تعريف النجاح: من علامة على ورقة أُتمتتْ إلى قدرة على حلّ مشكلة، من شهادة معلّقة على حائط إلى كفاءة. في طريقي إلى العمل ما زلت أرى طلاباً بعمر الورد يحملون حقائبَ أثقل من أوزانهم، فأسأل نفسي: بأيّ نَفَس يذهبون، وبماذا يحلمون، والأهم ماذا يحملون؟
تخيلوا معي مدرسةً مسموحاً للطالب فيها أن يفشل المرّة الأولى ويعاود المحاولة، وأن يُكافأ على التجربة لا على الإجابة الصحيحة فوراً. تخيّلوا منهاجاً لا يُقاس بعدد الصفحات، بل بوزن السؤال الذي يطرحه الطالب في ذهنه، بل تخيّلوا معلّماً مكلّفاً بتصميم تجربة التعلّم لا تلقين الطالب. حينها يمكن أن تصبح المعرفة فعلاً حيّاً وليست نصوصاً جامدةً محفوظة. وهنا يتحوّل التفكير النقدي إلى مهارة أساسية وحياتية. وهكذا، يتحوّل التعليم من واجبٍ ثقيلٍ إلى محرّك لإبداع الإنسان بوعي وإرادة.
واليوم، بعد 30 عاماً من هذه الدعوة، صار الأمر إلحاحاً لا دعوة فقط، خصوصاً أن كلفة التأخير تراكمت وأصبحت أعلى من كلفة الحسم. وسأظلّ أدعو إلى نقل النقاش التربوي من الإصلاح الشكلي إلى إعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها، والانتقال من نموذج يقوم على الحفظ والامتحان إلى نموذج يُنمّي القدرة على إنتاج المعرفة. نريد تعليماً يليق بمستقبلنا، يستثمر جزءاً يسيراً مما يُنفق اليوم على البنية ليخلق بيئة تعلّم منخفضة الكلفة وعالية العائد.
أيها السادة، إذا امتلكنا شجاعة النظر، فقد نكتشف أن أعظم إصلاح تعليمي لا يبدأ من المقرّر ولا من تطعيم المناهج بمصطلحات فلسفية، بل من تغيير نظرتنا إلى الإنسان الذي يتعلّم.



