
مواطنة على المحك: فلسطينيو إسرائيل بين الهوية والولاء المفروض
جواد بولس
حرير- منذ اليوم الأول للإعلان عن دولة إسرائيل، ولدت إشكالية المواطنين الفلسطينيين الباقين في وطنهم بوجهيها المعروفَين. الأول، كيف عرّفت المؤسسة الإسرائيلية مكانتهم القانونية كفلسطينيين ناجين من النكبة، وأشكال المساطر العملية والسياسات والأنظمة الرسمية، لسبل التعامل معهم «كنزلاء» غير مرغوب فيهم، أو «كمواطنين» غير مؤتمني الثقة والولاء للدولة، التي تسببت في نكبة أبناء شعبهم. والثاني، يتعلق بكيف عرّفت نفسها تلك الأقلية بعد النكبة، وكيف تعاملت قياداتها الاجتماعية والسياسية مع ذاك الكيان الجديد.
كانت المسيرة صعبة وطويلة، سُجّلت خلالها عدة مواقف عزٍ وانتصارات، قد تكون صغيرة لكنها كانت في حينه مفصلية؛ وسجّلت كذلك نكسات وتراجعات؛ بيد أن امتحان النهايات يثبت أن أجدادنا وآباءنا، نجحوا بتذليل الصعاب واتّباع موازين دقيقة عادلت بين كونهم فلسطينيين أصلانيين في وطنهم، ومواطنين شرعيين في دولة اليهود.
هذه هي حكاية بقاء مليوني فلسطيني في إسرائيل. بقاء كان وبقي «رهينا لمحبسين»: لهوية قومية عرجاء لم تعرف يوما مرساها الحصين؛ ولمواطنة ملتبسة، خلقت مشوهة في ظروف استثنائية، وبقيت مهددة تبحث وتتيه بين أفضل وأسلم الوسائط والمضامين.
تشهد منطقتنا في السنوات الأخيرة تداعيات لأحداث جسام، وتقف القضية الفلسطينية على أخطر مفترق في تاريخها؛ وبطبيعة الحال نجد، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، أنفسنا على احدى هذه الجبهات، في مواجهة حكومة نتنياهو، التي تخطط لتصفية حساباتها وتحطيم قوالب التعامل التقليدية، التي نظمت علاقة الدولة معنا، لاسيما في كل ما يتعلق بمسألة المواطنة وما يترتب عليها. لم تحظ قضية «المواطنة» بعناية قيادات الأحزاب والحركات السياسية التقليدية والمؤثرة على مواقف ومعتقدات الناس؛ لاسيما إذا افترضنا أنها مسألة، مثلها مثل مسألة الهوية، متغيرة على الدوام وبحاجة للرصد وللرعاية وللمتابعة. لقد برز هذا القصور في ساحتين قياديتين مركزيتين: الأولى في «اللجنة العليا لمتابعة قضايا الجماهير العربية في إسرائيل»، والثانية داخل القائمة المشتركة نفسها، وداخل مؤسسات أحزابها المركزية؛ وقد أفضى هذا القصور/ الفراغ إلى نجاح سياسات الدولة، بتشويش قواعد المعادلة تدريجيا بهدف نسفها كلّيا، وسمح، في الوقت نفسه، باستقواء عدة تيارات سياسية واجتماعية دينية، أعطت لنفسها حرية الاستنباط وتطوير مفاهيم لأنماط «مواطنات» مشوّشة، أو «سائلة»، أدت إلى خلخلة مكانة الإجماع النسبي حول تعريف المواطنة كما كان المجتمع يعيش في ظلها، ويقبل بحدودها وينصاع لمحاذيرها طيلة عقود خلت. لقد كانت الحركة الإسلامية أقوى الحركات التي شخصت الوضع واستغلته؛ فحين وقعت هذه المسألة فريسة بين من تخلى عن مواقفه التاريخية إزاءها من جهة، ومن همّشوها وهاجموها، أو قزّموا الحاجة للاحتماء بها من جهة ثانية، تضعضعت مكانتها، وخضعت لعدة تشوهات خطيرة. لن نبحث متى وكيف سقط مفهوم المواطنة الأصلي، وتراجع أمام شعارات التيارات «المتأسرلة»، أو القومية الإقصائية أو الخطاب الإسلامي، خاصة خطاب «الحركة الإسلامية الجنوبية»، التي تبنت مؤسساتها وطورت مفهوم «المواطنة الذرائعية». وكما شاهدنا، فقد سوّغ ذلك الخطاب لأصحابه خيار التماهي مع دولة القومية اليهودية، ومشاركتهم في حكومة الحرب والاحتلال، وتسويق نمط «المواطن المسلم الإسرائيلي». أقول هذا وأعرف أن رئيس القائمة الموحدة الدكتور منصور عباس، أعلن في سخنين باسم الحركة الإسلامية الجنوبية، التزامه بالانضمام إلى القائمة المشتركة، وهي فرصة كي تعمل قيادات الأحزاب الأربعة على صياغة برنامج عمل سياسي مشترك، وتوضيح حدوده ومحاذيره بما يضمن استمرار التوازن والتكامل بين ما هو مدني وحقوقي، وما هو سياسي وهوياتي قومي، وإلا فمصير هذه القائمة غامض ومهدد.
أعادت هَبّة المواطنين في مدينة سخنين وانتفاضتهم في «ساحات البلد» بعض الثقة إلى معنى العمل السياسي الشعبي، واستنفرت مشاهد الحشود قيادات الأحزاب التي رضخت لإرادة الناس، وأعلنت عن إقامة القائمة المشتركة. وكان من نتائج تلك الصحوة الجماهيرية، أن بادرت «لجنة المتابعة العليا» و»اللجنة القطرية للرؤساء» إلى الإعلان عن سلسلة من النشاطات الهادفة إلى تشويش حياة مواطني الدولة اليهود، في مسعى لزج قضية الجريمة والعنف في صدارة الأخبار، وعرضها كقضية جميع المواطنين. كانت كبرى هذه النشاطات مظاهرة تل أبيب، التي شاركت فيها عدة منظمات يهودية، من بينها حركة اسمها «نقف معا». وقد انتشر على المواقع مشهد لمحاججة صاخبة تمت خلال المظاهرة، بين مسؤول كان يتكلم باسم منظمي المظاهرة، ومسؤولة من حركة «نقف معا». كان موضوع المحاججة اعتراض منظمي المظاهرة على حضور ناشطي «نقف معا» بلباس ليلكي يحمل شعار حركتهم، بما لا يتماشى وتعليمات منظمي المظاهرة القاضية بضرورة رفع الجميع العلم الأسود، وعدم إشهار أي شعارات أو أعلام حزبية فئوية أخرى.
لا أعرف الكثير عن هذه الحركة، وكنت أتمنى لو أن عناصرها شاركوا وهم ملتزمون بقرارات المنظمين؛ فوحدة الكلمة والتزام الجميع بها هما عربونان لحسن النوايا. ولكن بين التحفظ على تصرفهم العيني، والتهجم الشرس عليهم، أو تخوينهم أو التشكيك بمآربهم التخريبية، كما صرح البعض، فرق شاسع، والتهجم مرفوض، خاصة إذا استمعنا لخطابات قادتهم وقرأنا مواقفهم ضد الاحتلال وضد الحرب على غزة، وضد الفاشية في إسرائيل ونضالهم من أجل المساواة التامة في الدولة. لو كنت من قادة ومنظمي المظاهرة، لما أثرت وقتها أي ضجة أو مماحكة معهم كتلك التي جرت، فلكل حادث حديث.
إنني أرى أن مشاركة هذه الحركة، ومثيلات لها إن وجدت، وسيرهم وراء قيادة المظاهرة والالتزام بترديد شعاراتها، هو الأمر الأهم، رغم اختلافي مع بعض منطلقاتها الحراكية ورؤاها ومواقفها السياسية. فلولا وجود هذه الحكومة وسياستها الفاشية ضد المواطنين العرب، لما نجحت عصابات الإجرام وبسطت هيمنتها داخل مجتمعنا بالكامل. وكي ننجح في مواجهة هذه الآفة، يتوجب علينا أن ننجح بهزيمتهم من فوق. وهذا «الفوق» يعني هزيمة التيار الفاشي العنصري الخطير ونهجه؛ ولن ننجح بهزيمته، إذا لم نقف في وجهه معا. فالمواطنة، في زمن الفاشية، تعني أن نكون نحن العرب موحدين أولا، ونفتش عمن يقف معنا حتى لو تفذلكت فرقة منهم بحركة استعراضية كانوا في غنى عنها.
جاء في الأخبار أن وزير الداخلية الإسرائيلي صادق قبل يومين على أمرَي إبعاد بحق مواطنين مقدسيين، كانا قد أدينا بتهم أمنية. جاء قرار الإبعاد لغزة بناء على تعديل قانون المواطنة، وقانون الدخول إلى إسرائيل كانت قد أقرته الكنيست عام 2023، وبموجبه يحق لوزير الداخلية سحب جنسية، أو إقامة مواطن اذا أدين بتهمة «الإرهاب» وتلقى «مقابلها» مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية. في تعقيب على القرار صرح الوزير، بأن ملفات العديد من الأسرى «قيد الإجراءات». ونستطيع أن نجزم أنه في حالة بقاء هذه الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، فسيلجأ وزراؤها إلى رزمة تشريعات جاهزة لتفعيلها ضد مواطني الدولة العرب والتضييق عليهم ونسف معادلة المواطنة من جذورها؛ فمن يعتقد أن تطبيق هذا القانون وغيره سيقتصر على الأسرى الأمنيين، الذين أدينوا بتهم «إرهابية خطيرة» سيفاجأ عندما يبدأ وزراء النظام الجديد بتفكيك تهمة «الإرهاب» وتسييلها حتى تنطبق على كل مواطن عربي يرفض «التدجين»، أو إذا تجرأ على تزيين صفحته أو سترته بدعاء « لا إله إلا الله».
إننا نمرّ في محنة حقيقية.. مواطنتنا محاصرة وبقاؤنا مهدد. علينا التحرك بتبصر وبحكمة؛ فدون مواطنة سنخسر الوطن، ودون هوية لا خير في مواطنتهم. تبقى العبرة في تجارب السالفين، فقد ناضلوا بثبات وانتزعوا حقوقنا وصانوا القلاع، فنمنا بأمن وصحونا بكرامة.



