ما العمل لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟

عبد الحميد صيام

حرير- لا شك أن النخب الفلسطينية تتقن فن التحليل وتشخيص العلل، التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني. ولا تكاد تلتقي مع مفكر، أو كاتب، أو سياسي، أو محلل، أو أستاذ جامعي، إلا وأسهب شرحا في وصف وتحليل المأزق الذي يمر به الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. لكن هناك أقلاما وأصواتا تطوّع تحليلاتها لتضع اللوم كله على طرف دون آخر، متناسية كل التعقيدات التي يعاني منها شعب محاصر مشرد، يتعرض للطعن والغدر والخيانة من كل الجهات. شعب شاهد فلسطين التاريخية تقام عليها دولة استعمار استيطاني فاشي، وشاهد تشرد أكثر من 75% من الشعب إلى المنافي ومخيمات اللجوء وبلدان الشتات، ولاحقته الحروب والمجازر والاقتلاع والتمييز، وشاهد الدول العربية تتخلى عن مسؤولياتها، بل يرتد بعضها ليطعن الشعب الفلسطيني في ظهره وينتقل إلى صف العدو ويتجاوز القرارات التي اعتمدتها القمم العربية حول شروط السلام وقوانين المقاطعة والتضامن مع الشعب الفلسطيني.

كانت حرب الإبادة في غزة، الكاشفة الكبرى التي عرّت الجميـع، بدءاً بما يسمى الحضارة الغربية، التي صدعت رؤوسنا بقيم المساواة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومرورا بالتضامن العربي الذي انهار واستبدل بعلاقات مع الكيان الصهيوني، حيث أظهرت الوثائق أن بعض الدول العربية عززت علاقاتها مع الكيان خلال حرب الإبادة، ووسعت حجم التجارة معه. ومن يريد المزيد فليراجع صفحات كتاب بوب وودورد «الحرب» وما جاء فيه عن مواقف بعض الزعماء العرب.

ما العمل؟ وكيف نخرج من المأزق؟ وكيف نوحد الشعب الفلسطيني حول هدف واحد؟ أسئلة يطرحها الناس على كل من ينتقد الأوضاع الحالية، ويحلل أسباب وصولنا إلى هذا التحدي الوجودي. أؤكد في البداية ألّا أحد يملك الحقيقة وحده. نحن نجتهد مثل غيرنا ونطرح الأسئلة ونحاول الإجابة ونطرح هذه المسلمات:

أولا- اتفاقيات أوسلو هي أكبر كارثة تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948. هي التي فرطت بمعظم أرض فلسطين، واختصرت الشعب الفلسطيني بسكان الضفة الغربية وغزة، وقزمت الحقوق بحثا عن دولة وهمية لم ينص عليها الاتفاق، بينما قدمت للكيان الصهيوني كل المطالب الأساسية، من الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وغيرت مواد الميثاق ونصت على وقف ما سمي «العنف والإرهاب والتحريض» وربطت الاقتصاد الفلسطيني بإسرائيل. الاتفاق لم ينص على وقف الاستيطان ولا جاء على ذكر قضية اللاجئين ولا القدس ولا الحدود، واكتفي بترحيلها إلى مفاوضات المرحلة النهائية التي اعتبرت مرجعيتها المفاوضات، وليس القانون الدولي. لقد أصر الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن بقيادة المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي، على الاعتراف نصا بلا شرعية الاستيطان ووقفه، وحق العودة للاجئين واعتبار القدس الشرقية أرضا محتلة وضرورة سيطرة الفلسطينيين على معابر الضفة، وغزة ضمن حدود معترف بها نصا، لكن وفد التفريط في أوسلو استعجل، ووقع ذلك الاتفاق الخطير، دون تضمين تلك الشروط في جسم الاتفاق. إن نقطة البداية للإصلاح يجب أن تبدأ من إلغاء أوسلو وتبعاته وملاحقه الاقتصادية واتفاق أوسلو 2 واتفاق الخليل الخطير. إسرائيل أصلا ألغت أوسلو بكل تفاصيله، فكيف نتمسك باتفاق قتلته إسرائيل؟

ثانيا- ما يشغل بال الفلسطينيين جميعا مسألة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أساس ميثاقها، بحيث تكون الخيمة الشاملة لكل أطياف الشعب الفلسطيني، فصائل وأحزابا ونقابات وتجمعات ومستقلين، ولا يستبعد منها أحد ولا يستحوذ عليها فصيل ولا تغلق أبوابها أمام تيارات وطنية. لقد خطفت المنظمة ثلة صغيرة لا تتمتع بالشرعية، ثم همشتها وحولتها إلى عصا في يد الرئيس يهش بها المعارضين والمنتقدين. لقد أضر بالمنظمة وبدورها وتاريخها، وبالتالي أساء للشعب الفلسطيني وقواه الحية. تقزيم المنظمة وتحويلها إلى دائرة من دوائر سلطة أوسلو، وتضخيم السلطة على حساب المنظمة خطيئة لا تغتفر يجب أن يحاسب كل من ساهم في هذا التدمير المتعمد.

المطلوب إعادة المنظمة لدورها التاريخي، وفصل السلطة تماما عن المنظمة، بحيث تتفرغ السلطة للأعمال الخدماتية، وتقوم المنظمة بدورها التاريخي في تمثيل الكل الفلسطيني ورسم مشروعه الوطني والعمل، على حشد وسائل النضال كافة لتحقيق الأهداف التي يلتقي عليها ممثلو الشعب الفلسطيني المنتخبون بطريقة صحيحة من أماكن وجود هذا الشعب بلا استثناء. تحول النظام إلى سلطة ديكتاتورية يتصرف فيها رئيس وضع نفسه فوق القانون وفوق المؤسسات وفوق الأعراف والتقاليد، ينبئ بكوارث أكبر مما لحقت بالشعب الفلسطيني، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، في غياب أي مرجعية قانونية أو سياسية أو ثورية. والنتيجة التي جلبها أولئك لشعبنا واضحة للعيان، في استشراء الاستيطان وعنف المستوطنين وقرارات الكنيست، في منع إقامة دولة فلسطينية وتعريف الدولة بأنها يهودية.

ثالثا- موضوع الكفاح المسلح والمقاومة، لقد أقر ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية والأنظمة الداخلية لجميع الفصائل الفلسطينية بدرو أساسي واستراتيجي للكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد. ومارست الفصائل، خاصة حركة فتح والجبهة الشعبية الكفاح المسلح قبل نشوء حركة حماس. حماس ابتدأت من حيث انتهت حركة فتح، حين أقرت في اتفاقيات أوسلو ورسائل الاعتراف المتبادل، نصا بوقف «العنف والإرهاب والتحريض». ما يعني أن مرحلة الكفاح السلمي والسياسي والدبلوماسي والقانوني، بدأت وهي الكفيلة بتحقيق قيام الدولة المستقلة. وقد وضعت السلطة ثقتها في الوسيط الأمريكي، وأوكلت مهمة إعادة تأهيل قوات الأمن لجنرال أمريكي (دايتون)، بل فتحت مكتبا لوكالة الاستخبارات الأمريكية. وكانت تعتقد أن ثمن تخليها عن «العنف والإرهاب والتحريض» سيكون دولة مستقلة. وقد ثبت للمرة الألف، أن الولايات المتحدة ليست حليفا للفلسطينيين ولا وسيطا نزيها ولن تتخلى عن علاقتها الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني.

تابعت حركة حماس موضوع الكفاح المسلح لكنها في رأيي وقعت في خطأين: الأول محاولة مواجهة الكيان الصهيوني بأسلحة تقليدية مثل، المقذوفات والصواريخ المصنعة محليا، وبهذا تأخذ المواجهة إلى نقطة قوة العدو وليس نقطة ضعفه (وهي ضرب نظرية الأمن الداخلي) كما فعلت فصائل المقاومة في الانتفاضة الأولى وليس الثانية. فاستخدام المقذوفات البدائية واستهداف مستوطنات الغلاف، كان يعطي المبرر للكيان أن يبطش بآلاف المدنيين كما فعل عام 2008-2009 و2012 و2014 و2017-2018 و2021. بينما عملية مواجهة وأسر جلعاد شاليط كان له أثر كبير جدا، وأدت لتحرير أكثر من 1100 أسير فلسطيني. لقد فشل العدو في إنهاء الانتفاضة الأولى، رغم كل المحاولات لأنها مزجت بين المقاومة السلمية والمقاومة الشعبية، والانتقاء الذكي للعمليات المسلحة الرديفة للانتفاضة. أما الخطأ الثاني فهو الاعتماد على محور المقاومة، والاقتناع التام أن المحور لن يتخلى عن المقاومة الفلسطينية في حالة توسع المواجهات، وأنه سيدخل المعركة بكل قوته، إذا تعرض أحد الأطراف للحرب. وهو ما ثبت أن تدخل المحور، خاصة حزب الله، كان مدروسا وموزونا ومرتبطا بقرار إيران. ورغم البطولات التي أبداها الحزب واستشهاد عدد كبير من قيادات الصف الأول، إلا أن قرار المشاركة الشاملة لم يصدر.

من مسلمات الحرب الشعبية وانتصارها، أن تكون هناك جهة حاضنة شعبية قوية، مستعدة للتضحية ومن جهة أخرى وجود قاعدة إسناد آمنة تتحمل الضغط والضرب والتهديد، كما كان الحال في موقف الصين والاتحاد السوفييتي مع الثورة الفيتنامية، ومع دول الطوق في حالة جنوب افريقيا والمغرب وتونس في حالة الثورة الجزائرية. نعم هناك حاضنة شعبية لا أحد ينكرها لكن قاعدة الإسناد الآمنة غير متوفرة. ويجب أن نقر دون مواربة، أو تردد أن المشروع الوطني الفلسطيني، لا يمكن أن يتحقق دون مقاومة بمعناها الشامل. ومن يعتقد أن تحقيق الدولة المستقلة سيتم عن طريق المناشدات والبيانات والمؤتمرات والقرارات، فهو واهم.

مقالات ذات صلة