
العراق وانتظار المجهول!
يحيى الكبيسي
حرير- لا يزال موضوع ترشيح رئيس مجلس الوزراء القادم غير محسوم بعد ترشيح الإطار التنسيقي (التجمع الذي يضم كل القوى الشيعية الحليفة والوكيلة لإيران في العراق) لنوري المالكي، وهو ترشيح دراماتيكي بكل ما تعنيه الكلمة؛ إذ من الواضح أن الإيرانيين كانوا طرفا في هذا الترشيح، وأن مرجعية النجف قد تم تحييدها تماما في هذه المسألة.
لكن الفيتو الأمريكي الصريح على هذا الترشيح والذي جاء في سياق الخطط الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط بعد حرب غزة وقرار تقليم أظافر إيران في المنطقة، عقّد المسألة تماما، لاسيما أن الولايات المتحدة الامريكية تملك الكثير من أوراق الضغط لإجبار الإطار التنسيقي على التراجع، وعلى طريقة ترامب التي لا تحفظ ماء الوجه!
وكما ذكرنا في مقالات سابقة، فإن الأمريكيين كانوا فاعلين في منع وصول إبراهيم الجعفري إلى الولاية الثانية عام 2006، وفي منع وصول المالكي الى الولاية الثالثة عام 2014، وكان موقفهم من عادل عبد المهدي، سببا رئيسيا في إضعاف الأخير ومنعه من الاستمرار في منصبه عام 2019!
ولا يمكن فهم التعطيل الحاصل في التوقيتات الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، وهي الخطوة الأولى باتجاه تكليف رئيس مجلس الوزراء القادم، إلا في سياق انتظار مخرجات المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط، خاصة وأن الجميع يعلم أن العراق يشكل أحد أوراق هذه المفاوضات، وبالتالي فإن اسم رئيس مجلس الوزراء العراقي سيكون نتيجة عرضية لأي الاتفاق!
قبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، نشر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، مقالا بعنوان “التوقيتات الدستورية لتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق”، تحدث فيه عن التوقيتات التي جاءت في الدستور العراقي بشأن انتخاب رئيس الجمهورية (خلال 30 يوما من تاريخ انعقاد أول جلسة لمجلس النواب) وتكليف الأخير لرئيس مجلس الوزراء (خلال 15 يوما من تاريخ انتخابه). وأن تجاوز هذه التوقيتات “يشكل خرقا واضحا للدستور ومخالفة لروح التداول الديمقراطي للسلطة”. وعزا هذا الخرق، الذي تكرر كثيرا، الى غياب الجزاء أو الأثر القانوني المترتب على هذا التجاوز.
وبعيدا عن الخرق الذي يرتكبه رئيس مجلس القضاء الأعلى نفسه هنا حين يتجاوز حدود اختصاصاته وصلاحياته بموجب قانون مجلس القضاء الأعلى، وبعيدا عن أن تفسير النصوص الدستورية هو صلاحية حصرية للمحكمة الاتحادية العليا بموجب الدستور، وبعيدا عن أن التوقيتات الدستورية فيما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية هي تنظيمية وليست إلزامية، وبالتالي لا يمكن أن يترتب عليها أي جزاء، لأنه قد تكون هناك حالة استعصاء سياسي في تحقيق شرط الثلثين لانعقاد جلسة الانتخاب الأولى، كما حصل في العام 2022، وبالتالي غياب إمكانية الالتزام بمدة الثلاثين يوما الواردة في النص الدستوري، ومن ثم سيكون ترتيب جزاء على هذا الاستعصاء الناتج عن إرادة الأعضاء المنتخبين في مجلس النواب عبث محض، بعيدا عن كل ذلك، فإن الجميع في العراق، تعاطى مع ما ورد في هذه المقالة بوصفه “قرارا باتا”، ومن ثم بدأوا ينظرون لإمكانية حل مجلس النواب إذا ما تجاوز هذه التوقيتات، لكنهم تغافلوا عن ذلك كله بعد وصول مدة التأخير إلى 45 يوما دون انتخاب رئيس جمهورية، وذلك لأن الجميع ينتظر مخرجات مفاوضات مسقط، وهو ما يثبت ما نقوله دائما أن لا أحد في العراق يحترم الدستور أو القانون، بل ثمة تواطؤ جماعي على استخدامه كأداة سياسية فقط!
في هذا السياق نفسه، ثمة محاولة جدية مطروحة في أروقة “ائتلاف إدارة الدولة”، وهو تجمع يضم كل القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب، وفي مجلس الوزراء، بالتمديد لحكومة تصريف الأمور اليومية/ الأعمال لأشهر قادمة، والبحث عن آلية للتحايل على الدستور مرة أخرى، وعلى قرارات المحكمة الاتحادية، وعلى القوانين النافذة، وعلى النظام الداخلي لمجلس الوزراء لاقتراح قانون على غرار قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية الذي مُرِر في حزيران 2022، والذي أسميناه وقتها بـ “قانون الاستثمار في المال العام”، لمعالجة مشكلة عجز مجلس الوزراء تقديم مشروع قانون الموازنة الاتحادية للعام 2026. وبالتأكيد سيتواطأ الجميع مع هذه الخروقات، ولن يهتم رئيس مجلس القضاء الأعلى حينها بكتابة مقال عن “خروقات” هكذا قانون، تماما كما لم يهتم عام 2022!
ومرة أخرى بعيدا عمن سيكون رئيسا لمجلس الوزراء، ثمة ملفات على رئيس مجلس الوزراء القادم وحكومته مواجهتها، تحديدا فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي؛ إذ لا تزال الدولة عاجزة عن تبني خطط اقتصادية حقيقية بعيدة عن الارتجال والشعبوية والبنية اللصوصية/ الزبائنية للنظام السياسي، بسبب غياب الإرادة الواضحة لتبني سياسات تنمية مستدامة، سواء المتعلقة بالتعليم أو الصحة أو المساواة بين الجنسين أو العدالة الاجتماعية، أو المتعلقة بمحاربة الفقر والجوع، ليس بسبب قلة الموارد، بل بسبب عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لذلك. وبنية الفساد الحاكمة، والإفراط في الإنفاق العام، وسوء الإدارة، وتحكم المنطق الزبائني، حيث بات العراق عاجزا عمليا عن تسديد التزاماته؛ ومراجعة أرقام المديونية تكشف عن ارتفاع الدين العام الداخلي بشكل غير منطقي في السنوات الثلاث الأخيرة. فوفقا لأرقام البنك المركزي في تشرين الأول 2025 فقد بلغ حجم الدين الداخلي 91 ترليون دينار عراقي (ما يقارب 69 مليار دولار)، فيما لم يزد هذا الدين عن 56 ترليون دينار عراقي (42.4 مليار دولار) في العام 2022.
يضاف إلى ذلك حجم مستحقات غير معروفة بدقة للمقاولين والشركات بذمة الحكومة العراقية. فاتحاد المقاولين العراقيين، أعلن في منتصف كانون الأول 2025 بأن حجم المستحقات المالية للمقاولين تبلغ 30 ترليون دينار عراقي (ما يزيد عن 22.7 مليار دولار). وهذا يعني أن حجم الدين الداخلي الفعلي يزيد عن 91.7 مليار دولار، وهذا يعني أن الزيادة في حجم الدين الداخلي في السنوات الثلاث الأخيرة فقط بلغت نسبة تزيد عن 116%!
وإذا أضفنا هذا الرقم إلى رقم الدين الخارجي واجب السداد البالغ 13 مليار دولار، ودون حساب مبلغ الدين الخارجي المجمد لدول الخليج العربي والذي يزيد على 40 مليار دولار، فهذا يعني أن الدين العام للعراق يزيد عن 104.7 مليار دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم جدا!
في المقابل تكشف أرقام البنك المركزي العراقي عن انخفاض صافي الاحتياطي الأجنبي إلى 97.582 مليار دولار في نهاية شهر تشرين الأول 2025، بعد أن وصل إلى 111.736 مليار دولار نهاية عام 2023، ولم يقدم البنك تفسيرا لأسباب هذا الانخفاض، وثمة شكوك بأن هذا الانخفاض يعود إلى إقراض البنك المركزي للحكومة بخلاف قانونه الذي يحظر ذلك! وترجمة هذه الأرقام على الأرض تعني أن أي عقوبات أمريكية على العراق، العاجز اليوم عن دفع رواتب الموظفين، ستعني كارثة اقتصادية بكل المقاييس!
حين تعجز الدولة العراقية اليوم عن التحكم بسياستها واقتصادها وأمنها، وتكون محكومة بعامل خارجي يفرض عليها شروطه، بشكل إرادي (كما هو الحال مع طهران)، أو قسرا (كما هو الحال مع واشنطن)، فمؤكد أنه لا يمكن وصفها إلا بأنها دولة فاشلة!



