الجدل حول المشروع الوطني الفلسطيني… أفكار للنقاش

عبد الحميد صيام

حرير- على هامش منتدى فلسطين الرابع بالدوحة عقدت عدة ندوات وقدم عدد من الأوراق حول وضع القضية الفلسطينية، بعد حرب الإبادة في غزة وانتقال ساحة المواجهة الأشرس إلى الضفة الغربية. وقد قدم عدد من الخبراء والمختصين والناشطين والسياسيين وجهات نظر حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، على ضوء التطورات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بإطلاق «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة شؤون غزة وتعيين نيكولاي ملادينوف منسقا ساميا وقناة اتصال بين مجلس السلام ولجنة إدارة غزة المكلفة بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار ومشروع ترامب للسلام، الذي تجسد في قرار مجلس الأمن الخطير 2803 (2025).

وسأحاول أن أجمل بعض الآراء التي طرحت في هذه الندوات، التي تشير بلا شك إلى خلافات عميقة في الساحة الفلسطينية. نحن نفهم مثل هذه الخلافات على ضوء زلزال غزة، الذي، في رأي البعض، أفرز مجموعة ديناميات وحقائق ونتائج ستترك أثرها الشامل والعميق على مستقبل القضية الفلسطينية. فمن نافلة القول إن الكيان الصهيوني الذي فشل في تحقيق أهدافه التي أعلنها في بداية الحرب بالقوة العسكرية بدأ يحققها له مشروع السلام الأمريكي، مثل استرجاع الأسرى وسحب سلاح حركات المقاومة والسكوت على احتلال أكثر من نصف قطاع غزة. ومع أن هناك انطباعا عالميا أن وقف إطلاق النار مستمر إلا أنه الحقيقة أن جهة واحدة فقط ملتزمة به. فما دام الفلسطيني هو الذي يسفك فلا خوف على وقف إطلاق النار أما إذا قتل جندي صهيوني واحد فستتعالى الصرخات الدولية لإدانة ذلك الانتهاك الذي يهدد خطة ترامب للسلام برمتها.

أفكار واقتراحات

تباينت الآراء بين المتخصصين والمفكرين والسياسيين والمناضلين في هذا المنتدى، عندما تعلق الأمر بالمشروع الوطني الفلسطيني. وليس جديدا على الفلسطينيين أن يختلفوا فلا توجد حركة تحرر في التاريخ الحديث تعرضت للتشظي والتدخلات الخارجية مثلما تعرضت له الحركة الوطنية الفلسطينية لسبب بسيط وجوهري كونها نشأت أساسا على أراض عربية خارج فلسطين ما أعطى فرصة لتلك الدول للتدخل في شؤونها بشكل متواصل حتى هذه اللحظة.

سأتناول في مقالين فكرتين أساسيتين طرحتا كنوع من الخروج من المأزق الوجودي الذي تمر به القضية الفلسطينية. ثم سأعود لنقاش أفكار أخرى مهمة. والفكرتان هما: يجب أن يكون الهدف الآن قيام الدولة الواحدة والرأي الثاني التوجه نحو إسقاط نظام الأبرثهايد الإسرائيلي. وسأعود في مقال لاحق لمناقشة فكرة حل الدولتين، ثم فكرة حل الدولة الديمقراطية الواحدة التي تنهي أي وجود للصهيونية.

– حل الدولة الواحدة، وقد بدأ هذا الحل يكسب أنصارا جددا ومهمين، خاصة من فلسطينيي الداخل الذين يرون أن الواقع الآن قد أفرز حقيقة لا جدال فيها وهي أن ما بين البحر والنهر لا توجد إلا دولة واحدة. لقد تداخل المكونان الأساسييان للسكان بطريقة من الصعب فصلهما. فمن الصعب أن تجد بلدة لا يسكنها الفلسطينيون العرب واليهود الإسرائيليون، أو بلدة عربية وليس قربها مستوطنة يهودية. وعملية غربلتهم وإقصاء مكون عن الآخر أصبح مستحيلا. كما أن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ومترابطة جغرافيا أصبح كذلك مستحيلا. إذن على الفلسطينيين أن يعلنوا رسميا أن برنامجهم القادم، يتمحور حول قيام دولة واحدة يتساوى فيها الناس جميعا في الحقوق والواجبات. وهذا الطرح يلقى تأييدا لدى قطاعات من اليهود الليبراليين واليساريين وهو قابل للتحقيق في أي وقت.

لكن يتناسى هؤلاء مخاطر إعلان الدولة الواحدة هدفا مركزيا للحركة الوطنية الفلسطينية. فقد تأخذ إسرائيل من هذا القرار ما يناسبها وتعطل ما لا يناسبها، فالدولة الواحدة يعطيها فرصة لتوسيع الاستيطان وإعادة توزيع الكتل الاستيطانية، وفتح مشاريع صناعية واستثمارية في أي مكان على أساس، أن هناك دولة واحدة تسيطر على الأرض والسكان. والدولة الواحدة ستلغي كون الشعب الفلسطيني شعبا مميزا يتمتع بحق تقرير المصير في بلده وعلى أرضه، كما نص على ذلك رأي محكمة العدل الدولية عامي 2004 و 2024. وهذا الهدف قد يعفيها من مسألة الاحتلال وتبعاته وانطباق الاتفاقيات الدولية على الأرض الواقعة تحت الاحتلال مثل اتفاقية جنيف الرابعة. والسلطة في الدولة الواحدة تصبح الوحيدة المخولة بالوصول إلى معاهدات دولية، وبالتالي تلغي أي صفة تمثيلية للوجود الفلسطيني مثل الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها السلطة الفلسطينية، وعضوية المنظمات الدولية والتمثيل الدبلوماسي لأن الفلسطينيين أصبحوا أفرادا (مضطهدين طبعا) في دولة واحدة. والحديث هنا يطول عن خطورة التوجه لإعلان أن هدف الحركة الوطنية الفلسطيني هي الدولة الواحدة، يتساوى فيها المواطنون جميعا في الحقوق والواجبات.

– هدف المشروع الوطني الفلسطيني يجب أن يتوجه لإسقاط نظام الأبرثهايد أو الفصل العنصري. وهذا الطرح يمتلك الكثير من المنطق والوجاهة، حيث تم تصنيف إسرائيل رسميا دولة فصل عنصري من الأمم المتحدة (تقرير الإسكوا 2017 وتقرير المقرر الخاص لحقوق الإنسان مايكل لينك، لعام 2022، بالإضافة إلى تقارير منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وحتى منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم. إذن هناك إقرار دولي بأن إسرائيل دولة فصل عنصري، وأن العالم لا يقبل أن يمارس الفصل العنصري كنظام في أي مكان في العالم. ولذلك يصبح الخطاب الفلسطيني مقبولا دوليا وسيجد من يناصره ويناضل من أجل إنهائه في إسرائيل. وعندما يحتل النضال الفلسطيني ضد نظام الأبرثهايد الإسرائيلي قلوب وعواصم الدول الغربية والعالم، كما فعل نضال شعب جنوب افريقيا، سيبدأ ذلك النظام بالتفكك والجفاف إلى أن يموت. إذن التركيز على مواجهة الأبرثهايد الإسرائيلي، الذي يستند إلى منظومة استعمارية إحلالية متوحشة سيحول التضامن العالمي إلى برنامج عمل ينزع عنه الشرعية ويؤدي على المدى البعيد إلى تفكيكه. ولهذا الطرح مخاطره الأخرى. فالعالم الغربي أولا يقر بأن هذه دولة يهودية وبمجرد الاعتراف بالدولة بهذه الصفة فهو يتغاضي عن كل القوانين التي تثبت هذه الهوية وتضعف هوية خصمها. ولو كان ذلك الاعتراف غير ذلك لما صمت الغرب طويلا على الاستيطان وممارسات المستوطنين. وحتى الذين بدأوا يخجلون من ممارسات المستوطنين لم يتعد ذلك الرفض بيانات إدانة ضعيفة وربما تصنيف أفراد قلائل على قائمة العقوبات. ثم لماذا صمتت الدول الغربية تماما عند إقرار قانون المواطنة في الكنيست الإسرائيلي عام 2018 والذي نص على أن حق تقرير المصير لليهود فقط بين النهر والبحر (أي اعتماد نظام الأبرثهايد رسميا). أما عندما يهتف المتظاهرون بشعار «من النهر إلى البحر- فلسطين ستصبح حرة» يسارع هؤلاء المنافقون ويتهمون أصحاب الشعار بأنهم معادون للسامية ويسعون إلى تدمير إسرائيل.

النقطة الثانية أن المقارنة مع جنوب افريقيا مقارنة خاطئة، فقد كان السود يشكلون الغالبية من السكان، بينما البيض عبارة عن أقلية متحكمة في الاقتصاد والسياسة والإدارة. وكانت الدول المحيطة بجنوب افريقيا كلها متعاطفة مع نضال جنوب افريقيا وتحملوا الكثير من اعتداءات الأقلية البيضاء لكنهم لم يطعنوا مقاومة شعب جنوب افريقيا في ظهرها كما فعلت الدول المحيطة بالكيان الصهيوني. ونظرا لأن التمييز في جنوب افريقيا كان قائما أساس على اللون، فقد وجد شعب جنوب افريقيا في الأقليات السوداء في الدول الغربية حليفا طبيعيا ودون عناء، إضافة إلى المد التحرري واليساري في العالم، وانهيار شبكات الاستعمار وأخرها البرتغالي والإسباني عام 1975، حتى الأمم المتحدة أنشات إدارة لمناهضة الأبرثهايد تلقى من الدعم الشيء الكثير.

فمن يعتقد أن هزيمة الأبرثهايد الإسرائيلي من السهولة كهزيمة النظام نفسه في جنوب أفريقيا فهو مخطئ لا محالة إذا لم يترافق هذا النضال بأساليب أخرى سنتحدث عنها لاحقا. (وللحديث بقية)

مقالات ذات صلة