
هل يقود ترامب أميركا نحو حرب أهلية؟
عائشة البصري
حرير- تروج في أوساط أميركية شعبية، سياسية، وأكاديمية، تحذيرات من حرب أهلية وشيكة، يتحفّظ عليها ويسخر منها كثيرون. يستحضر الحديث عن “الحرب الأهلية” لدى كثيرين تمثلاتٍ لجيوش ضخمة، وانقسامات واصطدامات وطنية، وساحات قتال مضرّجة بالدماء. ووفق التعريف المعتمد في دراسات النزاعات الحديثة، تتطلّب الحرب الأهلية صراعاً مسلحاً يشمل الدولة، وغالباً ما تشارك فيه قوات نظامية ومعارضة داخلية منظّمة، ويخلّف ما لا يقل عن ألف قتيل في ساحات القتال، نتيجة أعمال عنفٍ صادرةٍ عن الجانبين. إذا استندنا إلى هذا المعيار الصارم، فلم تصل الولايات المتحدة إلى تلك المرحلة، أو بالأحرى ليس بعد.
لكن التعريفات الأكاديمية، على أهميتها، قد تحجُب أيضاً إشارات الإنذار المبكّر، فالحروب الأهلية لا تبدأ يوم يسقط القتيل رقم ألف، بل تبدأ بتآكل المعايير، وانهيار الثقة، وتراجع الضوابط المؤسّسية، وتلاشي الإيمان المشترك بأن الخلافات السياسية يجب أن تحلّ من دون اللجوء إلى القوة. وبحسب هذه المعايير، أميركا في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تخطّت خطوطاً حمراء، ودخلت منطقة حرجة تاريخياً تنذر بوقوع حرب أهلية.
ويلاحظ أن العنف السياسي في أميركا لم يعد ظاهرة معزولة أو هامشية، فقد زاد اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك من المخاوف المتصاعدة أصلاً من تحوّل الخلافات السياسية إلى صراع دموي، في ضوء ازدياد الاغتيالات السياسية. ووفق قاعدة بيانات العنف السياسي (Political Violence Database) في أميركا التي يشرف عليها بيتر تورشين، شهدت الفترة من العام 2020 حتى 2024 سبع عمليات اغتيال ذات طابع سياسي، وهو عدد قياسي يتجاوز حتى اضطرابات ستينيات القرن الماضي. وبلغت التهديدات الموجّهة إلى المُشرِّعين مستوياتٍ غير مسبوقة لعامين متتاليين، وتعرَّض قضاة، ومُدّعون عامون، وجهات مسؤولة عن تنظيم الانتخابات للمضايقات والترهيب والعنف. وسجلت Bridging Divides Initiative في جامعة برينستون أكثر من 170 حادث تهديد أو مضايقة لمسؤولين محليين في نحو 40 ولاية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2025.
هذه ليست أحداثا معزولة او اضطرابات عابرةً، بل هي تطبيع للإكراه السياسي عبر الترهيب، ما يؤشّر إلى إمكانية اندلاع صراع واسع النطاق، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov السنة الماضية أن نسبة الأميركيين الذين يقرّون باحتمال وقوع حرب أهلية خلال العقد المُقبل يفوق عدد من يستبعدون ذلك، وأن مئات علماء السياسة والمؤرّخين الأميركيين يحذرون من أن البلاد تنزلق نحو “السلطوية”.
وربما أن التحوّل الأكثر إثارة للقلق لا يتمثّل فقط في ارتفاع منسوب العنف، بل في الجهة التي تستخدم القوة وكيفية استخدامها. لقد سبق لرؤساء أميركيين أن نشروا الحرس الوطني، لكنهم غالبا ما تصرّفوا بطلبٍ من حاكم الولاية أو داخل ولاية واحدة لفرض الحقوق المدنية أو استعادة النظام. لكن الأمر يختلف جذريا مع إدارة ترامب التي أزّمت الوضع بإرسالها وحداتٍ من الحرس الوطني إلى ولايات يُعارض حكامها هذا الانتشار. وقد نُشرت قوات الحرس الوطني في ما لا يقل عن عشر مدن أميركية رغم معارضة معظم السلطات المحلية.
يمثل هذا الوضع توسّعاً خطيراً في صلاحيات الرئيس ترامب الذي وصف المدن الأميركية بـ”مناطق حرب”، يعيث فيها فساداً وعنفاً “العدو الداخلي”. وقد وصفت إدارته خصومها السياسيين بعبارات كراهية متطرّفة، في حين أصدر ترامب عفواً عن مواطنين مُدانين في الهجوم على مبنى الكابيتول، في تساهلٍ مثيرٍ مع العنف السياسي عندما يخدم مُعسكره.
يزعم أنصار ترامب أن انتشار الحرس الوطني هو بغرض مكافحة الجريمة، في حين أن توظيف قوات عسكرية في مهام شرطية داخلية روتينية يختلف نوعياً عن الاستجابة للكوارث أو ضبط الحدود، فالجنود مدرّبون على القتال، لا على إدارة الحشود وفق الدستور. وعندما تجوب قوات مسلحة شوارع المدن الأميركية من دون موافقة السلطات المحلية، يبدأ الخط الفاصل بين الديمقراطية و”الاحتلال الداخلي” في التلاشي.
ولعل ما يزيد الوضع تأزما أن الثقة العامة في المؤسسات الأميركية قد انهارت، ويذكر استطلاع رأي أجراه مركز Pew للأبحاث في عام 2024 أن 22% فقط من الأميركيين يثقون في قدرة الحكومة الفدرالية على التّصرف السليم في معظم الأوقات، مقارنة بـ77% في ستينيات القرن الماضي. كما تراجعت الثقة في المؤسّسات الإعلامية والصحية، وحتى في الكنائس وغيرها من المؤسّسات الاجتماعية. ويشكل فقدان الثقة عاملاً مهماً في الثورات الشعبية التي تشتعل، حين يعتقد جزء من الشعب أن النظام نفسه قد فقد شرعيته.
وبينما يرى جزء من قاعدة ترامب الشعبية أن الرئيس المُخلّص يخوض معركة ضد مؤسّسات فاسدة، يرى فيه كثيرون من خصومه تهديداً وجودياً للديمقراطية. وربما يبرز التحذير الأكثر مصداقية من خلال تمرين محاكاة أكاديمي أُجري عام 2024 في مركز the Center for Ethics and the Rule of Law في جامعة بنسلفانيا. قام التمرين الذي أشرفت عليه الباحثة كلير فينكلشتاين على فرضية أن الرئيس الأميركي قد نفّذ عمليةً لإنفاذ القانون في مدينة فيلادلفيا لقيت معارضة شعبية واسعة، ثم حاول وضع الحرس الوطني لولاية بنسلفانيا تحت السيطرة الفدرالية. وعندما عارض الحاكم هذه الخطوة، أقدم الرئيس على نشر قوات عسكرية فدرالية، ما أسفر عن اندلاع صدام مسلّح بين قوات الولاية والقوات الفدرالية. وخلُص التمرين إلى أن هذا السيناريو الافتراضي يتبلور اليوم في ولاية مينيسوتا التي تعتبرها فينكلشتاين أول اختبار حقيقي لما إذا كانت القيود الدستورية المفروضة على استخدام القوة العسكرية داخل البلاد ما تزال قائمة، أم أن أميركا على وشك تجاوز نقطة اللاعودة، وإشعال شرارة حرب أهلية.
اليوم، يبدو الوضع في مينيسوتا بالفعل مشابهاً لذلك السيناريو، فقد نُشر نحو ألفي عنصر من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في مينيابوليس بذريعة تحقيق في قضية احتيال تخصّ مواطنين صوماليين، ثم تحوّل المدينة إلى مشهد عنف وقمع للمدنيين تسبب في مقتل أم لثلاثة أطفال وشابّ مُمرّض وجرح عدة مدنيين واحتجاز طفل لا يزيد عمره عن خمس سنوات. قوبلت هذه الأحداث باحتجاجات شعبية عارمة وعنيفة أحيانا، وأعاد المشهد إلى الساحة الأميركية حركة “الفهود السوداء” المسلّحة Black Panthers التي شاركت في مظاهرات مناهضة لإدارة الهجرة والجمارك أمام بلدية فيلادلفيا، مواصلة إرث الحركة التي تأسّست عام 1966 للدفاع عن حقوق الأميركيين السود ضد عنف الشرطة.
بدلاً من كبح عملية مينيابوليس، أعلنت إدارة ترامب “حصانة مطلقة” لعناصر الوكالة، وبدلاً من فتح تحقيقات في حوادث إطلاق النار، فتحت وزارة تحقيقات مع حاكم الولاية الديمقراطي تيم والز ورئيس بلدية مينيابوليس بتهمة التآمر لعرقلة مهمة العملاء الفدراليين. في المقابل، وضع والز الحرس الوطني في مينيسوتا في حالة تأهّبٍ لدعم أجهزة إنفاذ القانون المحلّية، في حين هدّد ترامب بتفعيل “قانون التمرد”، وهي خطوة استثنائية من شأنها أن تمنحه صلاحيات عسكرية داخلية واسعة النطاق، من شأنها أن تفجّر الوضع، خصوصاً وقد أفادت تقارير بأن البنتاغون قد جهّز الفرقة الحادية عشرة المحمولة جوّاً.
تعكس هذه الأحداث التفاعل المتسلسل الذي حذّرت منه دراسة مركز بنسلفانيا؛ تفاعل يبدأ بتصعيد من القوات الفدرالية، يقابله مقاومة من سلطات الولايات ويؤزمه عجز المحاكم عن الاستجابة بسرعة، ثم ينتهي بخطر حدوث انقسام داخل القوات المسلحة إذا أُمرت القوات الفدرالية بمواجهة وحدات الحرس الوطني التابعة للولايات، أو قمع متظاهرين مدنيين، وهو من أخطر البدايات للحرب الأهلية.
الحروب الأهلية لا يخوضها مواطنون غاضبون أو متمرّدون وحدهم، بل غالباً ما تصبح ممكنة، عندما تنقسم أجهزة أمن الدولة. وإن كان من الناحية الأكاديمية الصرفة، لم تبلغ الولايات المتحدة بعد عتبة الحرب الأهلية، ولا يوجد بعد طرف مسلح مُنظَّم أوقع آلاف القتلى في ساحات القتال، لكن انتظار هذا المؤشّر يشبه انتظار انهيار مبنى يلتهمه حريق هائل. بينما يعيش جزء من الأميركيين في حالة إنكار لمؤشّرات عديدة تبعث إنذارات مبكرة متكرّرة على خطر الحرب الأهلية، يبدو ترامب هائما في برجه العاجي، مُحتفيا بنفسه وبإنجازاته الكارثية، وزعمه أنه رئيس السلام والنظام عبر العالم. في الواقع، بتجاوزه الحدود الدستورية، وممارسته القمع العسكري على المعارضتين المدنية والسياسية، وتصويره الخصوم الداخليين أعداء، فإنه يُضعف الضوابط نفسها التي تمنع تحول الخلافات الديمقراطية إلى نزاع مسلح.
نادراً ما تعلن الحروب الأهلية عن نفسها بوضوح، لأنها تنشأ من سلسلة قرارات يبدو كل منها مبرّراً في حد ذاته، لكنها مجتمعة تدفع بلداً إلى نقطة اللاعودة. وأخطر خطأ قد يرتكبه الأميركيون الآن افتراض أن “ذلك لا يمكن أن يحدُث هنا”. فالتاريخ يبيّن أن الحروب الأهلية يمكن أن تحدُث في أي مكان وزمان يتعامل فيه القادة مع أدوات الحرب باعتبارها أدوات للسياسة. أما من يراهن على سلام ترامب الدولي، في حين أنه يؤجج الحرب في بلاده وعبر العالم، فإنه يمضي إلى جانبه في حقل ملغوم قد ينفجر في وجه الرئيس وجبهته عبر العالم.



