
إيران وحصرية سلاح حزب الله بين النهرين
جيرار ديب
حرير- قال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في كلمة له في 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، بمناسبة “اللقاء التضامني مع إيران”، إن “الحزب يرى التهديد الأميركي الموجّه إلى إيران تهديداً مباشراً له، وله الصلاحية الكاملة أن يفعل ما يراه مناسباً للتصدّي لهذا الاعتداء”.
واضح قاسم في شأن نقل أهداف حزبه من الدفاع عن لبنان في حال الاعتداء الإسرائيلي (وهذا يحصل يوميّاً منذ إبرام اتفاقية 27 نوفمبر 2024، ولا يحرك ساكناً)، إلى جعل لبنان خطّ الدفاع الأول عن إيران، في حال تعرّضت لأي ضربة أميركو- إسرائيلية. إذ تفيد التحشيدات العسكرية الهائلة التي ينفذها الجيش الأميركي في البحر الأحمر وبحر العرب بأن ساعة إعلان الحرب تنتظر قراراً ترامبياً، فهل ينفذ قاسم تهديداته ويدخل لبنان في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، قبل حصر السلاح بين منطقة ما بين النهرين (الليطاني والأولي)؟
يرزح لبنان تحت “السباق مع الوقت” على وقع عناوين تحدّدت بعد طرح قائد الجيش، رودولف هيكل، أمام مجلس الوزراء، لخطة الجيش في حصر سلاح الحزب في منطقة شمال الليطاني، أي تلك المنطقة التي تقع بين النهرين، الليطاني والأولي شمال مدينة صيدا. أهمية هذه الخطة وعرض تفاصيلها وأخذ الموافقة من السلطة التنفيذية للسير فيها، سيجنّب لبنان حرباً تدميرية لا ينفك العدو الإسرائيلي يلوّح بها، حيث لم يكتف بأخذه ضوءا أخضر أميركيّا لا بل إسناداً عسكريّاً غير محدود.
من المنطقي أن تضمن الخطة بنوداً مستنسخة عن الخطة السابقة لحصره جنوب الليطاني، والتي ترجمت بنجاح المرحلة الأولى. إذ اعتمدت هذه الخطّة على قدرات الجيش اللبناني، من دون مساعدة من حزب الله كما قال السفير السابق للبنان في واشنطن، ورئيس اللجنة المفاوضة للتوصل إلى تسوية في الجنوب، سيمون كرم. إضافة إلى تنسيق تام مع قوات “يونيفيل” العاملة في الجنوب، التي عبّر مسؤولوها في أكثر من مناسبة عن تلاحم التعاون بين القيادتين العسكرية اللبنانية والدولية فأنتجت نجاحاً واضحاً في تطبيق المرحلة الأولى.
“سباق مع الوقت” هي الحالة “الانتظارية” التي يعيشها لبنان، والتي تشهد تعاوناً “آنياً” مع قوات “يونيفيل” لسببٍ يرتبط بالقرار الأممي الذي حصر مهمة هذه القوات لنهاية عام 2026 غير قابلة للتجديد. يرتبط هذا السباق بنجاح لبنان في إيجاد قوات بديلة تتكوّن من الدول الصديقة تحلّ مكان “يونيفيل”، كي تشكل الضمانة الرئيسية المطلوبة لردع إسرائيل عن تنفيذ اعتداءاتها.
“السباق مع الوقت” حالة ترتبط أيضاً بالحرب الاستباقية التي يفرضها التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران ومدى جدّية قاسم بالتدخل. إذ تفيد الدلالات بأن الأمر ذاهب نحو الصدام العسكري في ظلّ انغلاق الأفق “التسووي” بين الطرفين، بعد تسريب طهران تقارير تؤكد فيها أنها لن ترضخ لضغوط واشنطن وأنها تستعد لأي سيناريو حرب متوقعة.
كما في جنوب الليطاني، كذلك في شماله، تعتمد آلة الحرب الإسرائيلية على دفع الحزب لتسليم سلاحه عبر جولات القصف التي تنفذها في مناطق ما بين النهرين، على اعتبار أنها مواقع يختزن فيها الحزب سلاحه، وأماكن يعمل فيها على تدريب عناصره.
لم يزل “ستاتيكو” يفرض نفسه، ويرتبط بتنفيذ الجيش الإسرائيلي ضربات على مواقع لحزب الله. وفي المقابل، تسود حالة الترقب وعدم الردّ على الاعتداءات من الحزب، فالمشهد في المنطقة فرض نفسه على كل الأحداث، وإن خطاب قاسم جاء ليؤكّد المؤكّد أن أي عدوان واسع على طهران سيتدخل الحزب مباشرة، لاعتبارات وضعها قاسم تحت عناوين دينية وأيديولوجية، إلا أنها في الواقع ترتبط بحالة وجودية لمحور يجد فيه الحزب استمراريته مع بقاء النظام في طهران.
حالة من الترقب والانتظار لما ستؤول إليه خطة الجيش من تنفيذ حصرية السلاح في شمال الليطاني، لأهميتها المرتبطة ليس فقط في بناء الدولة، لكن لما يتعلق بالمؤتمر الدولي لدعم الجيش الذي تحضر له كل من السعودية وفرنسا في 5 مارس/ آذار المقبل، فنجاحه مشروط بتعاون الحزب مع خطة الجيش. دعم الجيش وبناء قدراته العسكرية لضبط الحدود اللبنانية البرّية كما البحرية، بات مطلباً دوليّاً لتقديم المساعدات للدولة اللبنانية في ما خصً إعادة إعمار ما تهدم.
تعتبر المرحلة الثانية سيفاً ذا حدّين، فهي حاسمة للدولة اللبنانية لتكريس واقع جديد يتعلق بالرؤية العامة للمنطقة، والتي تشهد على إعادة بناء الدول كما هو الحال في سورية. وحاسمة أيضاً لحزب الله الرافض شكلاً ومضموناً تسليم سلاحه تحت أي ذريعة، على اعتبار أن لا ضمانات تقدم لوقف العدوان الإسرائيلي، فالحزب على دراية بخطورة تطبيق تلك المرحلة، لأن نجاحها سيدفع الدولة إلى الذهاب نحو تطبيق كل المراحل الخمس التي وضعها الجيش، والتي ترتبط بحصرية السلاح في كل الأراضي اللبنانية، وهنا الإشكالية، فهل سيبادر الحزب بتنفيذ الضربة الاستباقية لإشعال الحرب في المنطقة، تحت شعار “عليّ وعلى أعدائي”؟



