
ترامب والمالكي: العراق الذي حوله يتكاذبا
صبحي حديدي
حرير- شاءت المصادفة، وقسط غير قليل من مكر التاريخ، أن يتزامن قرار «الإطار التنسيقي» ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة؛ مع دخول واشنطن والعراق، وربما الشرق الأوسط بأسره، في الذكرى الـ18 لحذاء الصحافي العراقي منتصر الزيدي، الذي أخطأت فردته الأولى رأس جورج بوش الابن، وانحرفت الثانية عن هدفها مع محاولة المالكي صدّها بيده، من موقعه كرئيس وزراء يومذاك. اليوم يشتبك خَلَف بوش في الرئاسة، دونالد ترامب، مع مرشح الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي الجديد: الثاني على سبيل الدفاع عن «السيادة» العراقية، ورفض «مخالفة النظام الديمقراطي» و«لغة الإملاءات والتهديد»؛ والأول لأنه يهدد بوقف مساعدة العراق إذا أعاد تنصيب المالكي، لأن «سياساته وأيديولوجياته المتشددة» تسببت في «انزلاق البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة».
وإذا جاز الافتراض بأنه من المبكر الجزم حول مآلات الحال بين ترامب والمالكي، وما إذا كان الثاني سوف يضمن أغلبية كافية تتجاوز عقبة الثلث المعطل في البرلمان، أو التزم الأوّل بما يهدد به في ضوء تعقيدات العلاقات الراهنة بين واشنطن وبغداد على أصعدة شتى؛ فإنّ من غير المبكر أن يُرى المشهد بأكثر من منظار مختلف، مستمدّ خصوصاً من دروس التاريخ هذه المرّة، ومفاعيل ما تبدّل في الحاضر قياساً على الماضي. إذ ليس عراق 2006 إلى 2014، سنوات ترؤس المالكي للحكومة، يشبه البلد في أطوار عقد ونيف من تحوّل المشهد الداخلي والإقليمي والدولي؛ وليس «حزب الدعوة» الذي يتزعمه المالكي، هو الكتلة الشيعية ذاتها التي افتُضحت مصائبها بأفعال المالكي ذاته، بعد اجتياح «تنظيم الدولة» مناطق شاسعة واسعة بدأت من الموصل ومرّت بفضائح «الجيش الخلبي».
كذلك فإنّ إيران اليوم، الشعب والبلد والاقتصاد والسياسة والعسكر و«الحرس الثوري»، والمرشد الأعلى نفسه، لم تعد تملك المخالب التي اعتادت أن تلوّح بها عبر «الحشد الشعبي» و«الإطار التنسيقي»؛ وفي الجوار سقط نظام آل الأسد وارتدّت الميليشيات المذهبية العراقية على أعقابها مندحرة، واغتيل حسن نصر الله وانطوت برحيله شوكة «حزب الله» في لبنان وسوريا معاً؛ وأمّا أمريكا ترامب، الأوّل والثاني في الواقع، فإنها لم تعد اليوم تلك التي كانت تضمد جراح الاستعصاءات المتعاقبة في المستنقع العراقي، واضطرار تسليمه صاغرة إلى نفوذ إيراني ماحق، بل هي أمريكا ما بعد العدوان على إيران وهراوة الرسوم الجمركية وتأديب الشركاء في الحلف الأطلسي واختطاف مادورو…
ليس من المبكر، أيضاً، وضع التراشق اللفظي بين ترامب والمالكي في مراتبه الفعلية من حيث النفاق والتكاذب، سواء بصدد مفاهيم السيادة والديمقراطية والحوار بين الدول، على لسان المالكي؛ أو الإشفاق على الشعب العراقي من الفقر والفوضى وتشدد السياسات والإيديولوجيات، في خطاب ترامب. الأهمّ، في الجوهر، أن طواحين الهواء هذه بين ترامب والمالكي في واد، ومشكلات العراق وشعبه وكيانه وثرواته وتماسكه الوطني في واد آخر… غير ذي زرع، وشبه خراب ويباب.
أين البلد اليوم من سنة 2003 قبل الاجتياح الأمريكي وبعده، حين سيقول بوش الابن، ويعيد ويكرر، إنّ «العراق الحرّ ستحكمه القوانين، لا الدكتاتور. والعراق الحرّ سيكون مسالماً وليس صديقاً للإرهابيين أو تهديداً لجيرانه. والعراق الحرّ سيتخلى عن كلّ أسلحة الدمار الشامل. العراق الحرّ سيضع نفسه على طريق الديمقراطية»؟ وأين العراق، الذي يوشك على تسليم حكومته مجدداً إلى المالكي رجل الاحتلال دون سواه، من المالكي نفسه سنوات 2006 ــ 2014، الذي ظلّ مرتهناً لمعادلات حزبية وبرلمانية ومذهبية ضيقة ولاوطنية، داخلية وخارجية؟ وما الذي كرسته حكومته من ثقافة النهب والفساد والإفساد، تلك التي دشّنها الاحتلال الأمريكي أوّلاً، قبل أن يتولى متابعتها أتباع الاحتلال من ساسة العراق؟
وبدل الالتفات إلى مشاكل العراق الداخلية المتزايدة، وعلى رأسها توتر علاقات الحكومة مع شرائح شعبية عريضة، ليس مع الشارع السنّي في الأنبار وسامراء، وكذلك مع الكرد، فحسب؛ بل أيضاً مع فئة واسعة من الشيعة، جماعة مقتدى الصدر أوّلاً؛ وبدل تكريس جهود الحكومة لخدمة المواطن العراقي، وتوظيف قسط من عائدات النفط لتحسين مستواه المعيشي؛ تعمد المالكي ترحيل مشكلات العراق الداخلية إلى خارج العراق، وكان لافتاً أنه شاء ترحيلها تحديداً إلى… سوريا!
ذاك زمن الذي شهد اتهاماته للنظام السوري بالوقوف خلف الأعمال «الإرهابية» في العراق، ومطالبة الأمم المتحدة بتشكيل محكمة، أو على الأقلّ لجنة تحقيق دولية، لمحاسبة منفّذي التفجيرات الذين أرسلهم «البعثيون» و«التكفيريون» جماعة النظام السوري. ولن يطول الوقت حتى يسمح المالكي للطائرات الإيرانية بعبور الأجواء العراقية، ونقل العتاد الثقيل إلى جيش النظام السوري، وبالتالي طعن الشعب السوري في الصدر كما في الظهر؛ والانخراط، كذلك، في التنظير الفلسفي والسوسيولوجي حول سوريا! يومئذ كان يقول: «الحقيقة أنهم منحوا العلويين شجاعة اليأس، ولذلك هم يقاتلون بنسائهم وبرجالهم من أجل البقاء»؛ وأيضاً: «الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد ستحارب إلى جانب الأقليات الأخرى ضدّ المقاتلين، ومن بينهم متشددون إسلاميون سنّة». اليوم يقول عن أحمد الشرع: «سُجن في بلادنا، والآن هو رئيس سوريا. كيف ينبغي لإرهابي أن يحكم البلاد؟».
وقبيل انحناء المالكي أمام العاصفة، صيف 2014، كانت الإجابات تتقاطع وتختلط من حول أسئلة تخص ذوبان «الجيش» الحكومي أمام زحف جحافل «داعش» وانتزاع مدينة مثل الموصل (ثاني مدن العراق، ومركز السنّة الأوّل) وأخرى مثل تكريت (في قيمتها الرمزية، بوصفها مسقط رأس صدّام حسين). وأسئلة أخرى تستحث عليها بذور انتفاضة شعبية سنّية الطابع، بدت وكأنها تتجاوز العشائر والوحدات النقشبندية وكتائب ثورة العشرين والضباط المنشقين. المسكوت عنه، مع ذلك كله، كان يواصل طرح السؤال عن دور المالكي في ذلك الانهيار الدراماتيكي للوحدات الموالية، الذي بدا أقرب إلى انسحاب متعمد منظّم، يمكن أن يحقق لرئيس الحكومة المأزوم سلسلة أغراض كثيرة خبيثة.
بين تلك الأغراض كمنت فرصة إحداث فتنة، في الموصل ومحيطها، في أوساط مختلف الطوائف من جهة، والكرد والتركمان من جهة أخرى؛ وتحويلها إلى مواجهات مسلحة، تستدعي تدخّل قوّات الـ»بيشمركة» الكردية، وربما الجيش التركي، لحماية التركمان مثلاً. غرض آخر كان إطلاق يد «داعش» في المنطقة، كي تعيث فيها فساداً، وتكرر سيناريوهات مدينة الرقة السورية، فتحلل وتحرّم وتكفّر، وتزيد وطأة المخاوف الأهلية من شبح «الخلافة الإسلامية»؛ فضلاً عن تمكين هذا التنظيم من «اغتنام» أسلحة ثقيلة، يتعمد الجيش العراقي تركها في المخازن، وتتولى «داعش» نقلها إلى داخل ميليشياتها المقاتلة في سوريأ.
طور ما بعد تحرير الموصل دشّن سيطرة «الحشد الشعبي» على تكوينات المنطقة المذهبية والإثنية الأخرى، إذْ لم يكن منتظَراً أن يتقبّل السنّة والكرد والكلدان والتركمان، في الأمثلة الأبرز، طراز الهيمنة الذي تبشّر به ميليشيات أبو مهدي المهندس. ولم يكن خافياً، بالطبع، أنّ «الحشد» لم يعد مجرد ميليشيات عسكرية، وتحوّل جذرياً عن الصيغة التي أفتى بها علي السيستاني حول استحقاقات «الجهاد الكفائي»؛ وبالتالي صار قوّة كبرى، فاعلة وفعلية، في المستويات السياسية والحزبية، وتحديداً بعد النقلة الحاسمة في اعتزام خوض الانتخابات التشريعية كمجوعة عسكرية (على نقيض ما يقول الدستور العراقي).
هذه بعض أعراض مرض عضال أصيب به العراق، ويظلّ مصاباً به اليوم أيضاً، تحت وطأة متغيرات كبرى وتحولات حاسمة؛ وليس عن هذه الحال، الجوهرية المأساوية، يتكاذب ترامب والمالكي.



