
مبادرتا المعادن النادرة.. والحزام والطريق
طلال أبو غزالة
حرير- لا أحد ينكر أن القرن العشرين رُسمت ملامحه في مختبرات الغرب ومصانعه، كما لا أحد ينكر أن العقد الثالث من الألفية الثالثة يعيد توجيه دفّة التاريخ نحو الشرق القريب؛ إذ لم تعد الصين مصنعاً للعالم بالمعنى التقليدي، بل أصبحت المهندس الأول لهيكلية النمو العالمي الجديد. الصين التي تستحوذ على أكثر من ثلث القيمة المضافة الصناعية في العالم، لا ترمي بشباك التفوق الكمّي فقط، بل تقدّم مؤشّراً دقيقاً على تحوّلٍ استراتيجي عميق في موازين القوى، وهذا التحول حتماً وضع الغرب في حالة من القلق الوجودي. غير أن حكاية نهضة “التنّين” لم تكن وليدة المصادفة ولا خبط عشواء، بل نتاج رؤية وطنية استشرافية أدركت مبكّراً أن الاستثمار في الإنسان هو السطر الأول في ملحمة البقاء، وأن “نفط المستقبل” لن يكون أسود اللون كما كان.
وعليه، وبينما كانت دول كبرى غارقة في صراعات الهيمنة التقليدية، كانت بكين تضع يدها بهدوء على قطاع المعادن النادرة؛ تلك العناصر التي تمثّل حجر الزاوية في صناعات المستقبل، من أشباه الموصلات إلى البطاريات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجدّدة. وهذا ما منحها ورقة ضغط استراتيجية لا تُقدّر بثمن، إذ تسيطر اليوم على حصص مهيمنة في معالجة هذه المعادن، ما يجعل أي محاولة غربية لـ”فكّ الارتباط” الاقتصادي عملية جراحية معقّدة ومكلفة، تؤدّي (فيما تؤدّي) إلى موجات تضخّم غير مسبوقة وتراجعٍ في معدّلات النمو العالمي.
تبدو انعكاسات اليد العليا واضحة في معادلات التضخّم والاستثمار الدولية؛ فالسوق العالمي بات شديد الحساسية لأي اضطراب في وتيرة الإنتاج الصيني. وعندما نتأمّل في المشهد من زاوية عربية، نجد أن التبعية التاريخية للمنظومة الغربية، رغم ما قدّمته من استقرار نسبي في عقودٍ مضت، باتت اليوم تشكّل قيداً على مرونة الحركة الاستراتيجية، فالنماذج التنموية العربية الطموحة، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، تجد في التجربة الصينية نموذجاً مُلهِماً في الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى القاعدة الإنتاجية الصلبة.
وعليه، لا يقتصر الأمر على تبادل تجاري، بل يمتدّ إلى شراكة في بناء البنية التحتية الرقمية، ونقل التكنولوجيا، وتأمين سلاسل التوريد التي تضمن استقرار الأسواق المحلية أمام التقلبات الجيوسياسية في الغرب. وبالنظر إلى الشراكات الصينية الخليجية المتنامية، نجد تجسيداً واقعياً لهذا التحوّل؛ إذ أصبحت الصين شريكاً تقنياً في مشاريع المدن الذكية والطاقة البديلة. ويفرض هذا التقارب (فيما يفرض) على صانع القرار إعادة تعريف مفهوم “الحليف”، إذا ما اعتبرنا أن المصلحة الوطنية تقتضي بناء علاقات متوازنة تتجاوز القطبية الأحادية.
التحوّل من النظر إلى المخاطر المرتبطة بالارتباط بالصين (خصوصاً في ظلّ الحرب التجارية مع أميركا) إلى اقتناص الفرص الكامنة في مبادرة “الحزام والطريق”، يعكس سياسة واقعية جديدة. فالشركات العربية والمستهلك، على حدّ سواء، باتا يدركان أن الكلفة والجودة والتوافر لم تعد حكراً على العلامات الغربية، بل إن الابتكار الصيني بات يفرض إيقاعه على الأسواق العالمية بأسعارٍ تساهم في كبح جماح التضخّم المستورد، وفي السيارات الكهربائية أمثلة لا تُحصى.
وأقول إن الالتفات نحو الصين عودة إلى واقعية جغرافية واقتصادية تفرضها معطيات القرن الحادي والعشرين، فنحن مطالبون اليوم بصياغة عقد استراتيجي مع الشرق، لا يقوم على التبعية لمركز قوة جديد، بل على الندّية وبناء تكتّل اقتصادي يستفيد من الخبرة الصناعية الصينية لتعزيز السيادة الإنتاجية العربية. يميل ميزان القوى العالمي بوضوح نحو آسيا، والبقاء في المنطقة الرمادية انتظاراً لما ستسفر عنه المنافسة الدولية خيارٌ فقير. فالرهان على “التنين” في الشرق هو رهان على الاستقرار المستقبلي، وهو السبيل الأفضل لكسر قيود التبعية التي كبّلت طموحات المنطقة طويلاً، لتبدأ مرحلة جديدة من التوازن القائم على المصالح المشتركة والعدالة المعرفية.
وعليه، تتطلّب أي استراتيجية عربية ناجحة مقاربة شاملة تشمل التعليم، والبحث العلمي، وتطوير الكوادر البشرية؛ إذ يجب أن تصبح القاعدة الإنتاجية المحلّية قادرة على الامتداد داخل سلاسل القيمة العالمية، وعدم الاكتفاء بدور مجرّد مستهلك أو وسيط لمنتجات الخارج. ولا سيّما أن التحوّل الصيني يطرح فرصة لمراجعة التوازنات الإقليمية، وأن الاعتماد على قوة صناعية خارجية قد يكون عامل ضغط داخلي إذا لم يُصاحَب بسياسات واضحة للتنمية المستدامة والسيادة الاقتصادية.
وربّما يجعل هذا صانع القرار العربي أمام مهمّة مزدوجة؛ أي ما يمكن القول إنه استغلال الفرص من دون الوقوع في فخّ التبعية المطلقة، وضمان استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي في آن. فمن منظور طويل الأجل، يصبح الرهان على التحوّل الصناعي والتكنولوجي محوراً لإعادة صياغة العلاقات العربية العالمية؛ أي إنّ الهدف ليس فقط تحقيق التوازن مقابل الغرب أو الصين، بل ضمان أن تكون الدول العربية شريكاً فاعلاً، لا مجرّد متلقٍّ للاستثمارات أو التوجهات الصناعية الخارجية.
أيّها السادة، لا تُقاس القوة المستقبلية بحجم الاستثمارات فحسب، بل بقدرة الدول على حماية مصالحها، وتوطين المعرفة، وإنتاج قيمة مضافة تعزز مكانتها في النظام الاقتصادي العالمي. وأرى في هذا المسار مساحة مناورة جيوسياسية لصانع القرار العربي، بحيث يمكنه تحويل أي ضغوط إلى فرص للتفاوض، مستنداً إلى حقيقة أن البديل الشرقي لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح بنية تحتية موازية متكاملة تتشكّل ملامحها في الأنظمة المالية ونظم الدفع البديلة، بهدف تقليل الاعتماد على نظام “سويفت” التقليدي وتقلبات أسعار الفائدة في الأسواق الغربية.
ختاماً أقول: يمثّل التوجّه نحو الشرق عملية “تأمين جيو – اقتصادي” لمستقبل الأجيال، بحيث يصبح التكامل مع العملاق الآسيوي وسيلة لردم الفجوة التكنولوجية، وتسريع وتيرة التصنيع المحلّي، وضمان قدرة الدول العربية على لعب دور مؤثّر وفاعل في النظام الاقتصادي العالمي المقبل.



