عرض جديد – نتنياهو ترامب

سهيل كيوان

حرير- لم تعد المفارقات بحاجة إلى شرح طويل، يكفي أن يجلس بنيامين نتنياهو إلى جانب دونالد ترامب، حتى نفهم أن الكلمات والتعابير التي اعتاد عليها البشر انزاحت عن دلالاتها الأصلية، فالسلام لم يعد يعني بالضرورة انتهاء الحرب والجنوح إلى السلم، بل يعني كيف يجري استغلال نتائج الحرب، وجوائز التكريم والإبداع، تُمنح لمن برر القتل بخطابٍ واثق، ويُظهر جرائم الحرب كواجب أخلاقي وعمل إنساني.

في ذروة حرب مدمرة على غزة، لم تحص أعداد ضحاياها بعد، وما زال مئات آلاف من ضحاياها في العراء تحت رحمة العواصف والفيضانات، وآلاف أخرى تحت الأنقاض، يعلن نتنياهو منح ترامب «جائزة إسرائيل» أعلى تكريم مدني فيها، هذه الجائزة تمنح منذ عام 1953 عادة لفنانين ورجال فكر وأدباء وعلماء ومبدعين من الإسرائيليين. ولم تمنح قط لإنسان من خارج إسرائيل، وبهذا يكسر نتنياهو تقليداً آخر من تقاليد الدولة العبرية. لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو يوما علاقة عادية بين زعيمين، بل شراكة سياسية – شخصية نادرة في حدتها ووضوحها. علاقة تقوم على تبادل المنفعة الشخصية أولا، وعلى التشابه في استغلال السلطة من غير التحفظ الدبلوماسي، كلاهما يؤمن بأن الشرعية لا تُستمد من القانون الدولي ولا من قرارات الأمم المتحدة، بل من توازن القوى. صاحب القوة يرسم القانون والشرعية على مقاسه، ومن يملك الجرأة على فرض الوقائع يستحق التكريم. يرى ترامب نفسه قائداً أمريكياً وعالمياً استثنائياً، لا يخضع لقواعد القيادة التقليدية، ولا لمنظومة القيم التي حكمت السياسة الأمريكية عقودا، فهو لا يعترف بقوانين دولية، يبدأ من نقطة الصفر، ويعيد تشكيل ما يسمى قوانين وشرعية دولية، حسب رؤيته.. فهو هدد محكمة الجنايات الدولية ولا يعترف بها، وأعلن عقوبات على مسؤولين فيها منذ 2020 بسبب تحقيقات بشبهة ارتكاب قوات أمريكية جرائم حرب في أفغانستان، وواصل استهتاره بها بعد مطالبتها بمحاكمة نتنياهو.

ترامب في سرديته الذاتية، هو رجل القوة والصفقات، القادم من عالم الأعمال، ليصحح ما يراه ضعفاً وتردداً لدى النخب السياسية، التي سبقته في الحكم، ويعيد للولايات المتحدة هيبتها عبر فرض الإرادة لا عبر التحالفات أو القانون الدولي. لا يرى القيادة في بناء توافقات أو احترام مؤسسات، بل في القدرة على كسر القواعد، وفرض الوقائع. وعلى الجانب الأضعف أن يذعن للأقوى، وقد ساعده إلى حد كبير في كسب شعبية بهذا الطرح، ضعف الرئيس الذي سبقه في الدورة الأخيرة جو بايدن. أصدقاء يدفعون، خصوم يُضغط عليهم، وحروب تُدار لا تُحل. لا مكان للمبادئ المجردة، أو العدالة الدولية، بل للنجاح الملموس والصورة الإعلامية والانتصار الشخصي.

نتنياهو يرى نفسه زعيما تاريخيا لليهود، وليس رئيس حكومة عاديا، ويعمل على تكريس هذه الصورة عبر ربط سياساته بسردية الاضطهاد اليهودي والنجاة المستمرة منذ العهد القديم والسبي إلى المحرقة النازية. في خطابه، يتحول الأمن من سياسة قابلة للنقاش إلى جوهر الوجود اليهودي نفسه، ويقدم كل قراراته بوصفها حماية لليهود في كل مكان لا مجرد إدارة دولة. يمزج نتنياهو مصيره الشخصي بمصير إسرائيل، فيجعل أي نجاح إسرائيلي مرادفا لنجاحه، ويجعل من محاسبته على فساده أو على جرائم الحرب التي ارتكبت في قطاع غزة، استهدافاً للشعب اليهودي. بلغ التماهي بين نتنياهو وترامب ذروته في ولاية ترامب الأولى عندما قرر نقل السفارة إلى القدس، واعترف بالمدينة الموحدة عاصمة لإسرائيل، واعترف بالجولان المحتل جزءاً من إسرائيل، ومكافأة نتنياهو له بإطلاق اسمه على مستوطنة في الجولان، ومنح شرعية فعلية للاستيطان في الضفة الغربية، وتعامل مع الفلسطينيين كمشكلة اقتصادية تحتاج إدارة لا حقوقا. لم تكن هذه قرارات منفصلة، بل رؤية واحدة: تجاوز الفلسطينيين، وتطبيع علاقة العرب بإسرائيل، وتحويل الصراع من قضية تحرر وعدالة إلى ملف إداري طويل الأمد.

ما خرج به اللقاء يوم الإثنين الأخير تثبيت لنهج قديم بوقاحة أكبر. نزع سلاح حماس شرط للمرحلة الثانية، والتهديد بالجحيم الذي يعني استئناف الإبادة، ولا حديث عن الاحتلال وضحاياه منذ وقف إطلاق النار، حيث قتل الاحتلال أكثر من 420 فلسطينياً وأوقع آلاف الجرحى. إعادة إعمار غزة مطروحة، لكن بلا سؤال: لمن وتحت أي سيادة؟ و»اليوم التالي» يُناقش كملف عمل بلدي، معابر، أمن، إدارة، لا سياسة. أما الضفة الغربية، فالخلافات ليست على المبدأ في قضم أراضيها، ولا على هجمات المستوطنين اليومية التي تدمر الشجر والحجر والحيوان والبشر، بل على التوقيت والمساحة وحجم الجرعة وطرق تبريرها، ورفض أي اعتراض أو إدانة لها تصل إلى أروقة الأمم المتحدة.

جائزة إسرائيل قدمت لمن شرعن جرائم الحرب، وقدم القنابل العملاقة بلا حساب التي نسفت أحياءً ومخيمات ومدنا. قدمت لمن طلب من رئيس إسرائيل العفو عن صديقه الغارق في محاكمات الفساد، ولمن تدخل عسكرياً في مواجهة إيران وضرب منشآتها النووية. في هذه المسرحية العبثية يُسأل السؤال: ماذا مع بقية اللاعبين في المنطقة؟ إيران تحت التهديد بتجديد الحرب ضدها بحجة برامجها الصاروخية ومشروعها النووي. مطلوب من العرب دفع المال، ولكن بلا سيادة، وإعمار بلا أفق سياسي. يُسمح لمصر بدور منسق حدودي، ويُحال التنفيذ إلى مؤسسات دولية تضمن بقاء القرار خارج أيدي الفلسطينيين. عن الدور التركي، ترامب يقول إنه يحترم أردوغان، ويلمح بأن تركيا هي المرشحة لنزع سلاح حماس، ولكن الدور التركي مرفوض سلفاً من قبل إسرائيل، لأن تركيا تريد إعماراً مقروناً بحضور سياسي ورمزي، وتصر على إعادة السياسة إلى غزة، وهذا بالضبط ما تخشاه إسرائيل، وفي هذا السياق تسعى إلى تحالف يوناني قبرصي إسرائيلي (كونترا) في مواجهة تركيا، التي تسعى إلى دور غير خاضع لشروط نتنياهو ولا ليبرمان الذي قال مزايدا على نتنياهو بأنه يجب رفض الأتراك في غزة، حتى ولو جاؤوا متنكرين كممرضين وأطباء ورجال إنقاذ أو حتى كعمال نظافة.

قد يلتقط ترامب ونتنياهو الصورة، وقد يصفق الحضور، وقد تُرفع الشهادات، وقد تتعهد تسع وخمسون دولة في نزع سلاح حماس، كما قال ترامب، لكن الواقع لا يصفق، لم تختف غزة رغم الدمار، لم يختف الفلسطينيون رغم التهميش والعدوان المستمر، ما زالوا متمسكين وسوف يبقون في وطنهم. الصراع الذي أُريد له أن يصبح ملفاً إدارياً عاد ليذكر العالم بأنه قضية سياسية وأخلاقية بامتياز، لا تُدفن تحت جائزة ولا تُغطى بخطب ومهارات لغوية وحركات بهلوانية في المؤتمرات الصحافية.

مقالات ذات صلة