
لماذا لا يقرأ الناس مالك عثامنة؟
سليمان المعمري

الكاتب مالك عثامنه
يحدث أن تتعرف على كتاب جميل بالصدفة؛ تكون مثلًا في مكتبة للبحث عن كتاب معيّن فتتعثّر بكتاب آخر أمامك وتتصفحه، فإذا بك ترفض إفلاته من يدك إلا في كيس الكتب المشتراة. ويحدث أيضًا أن تتعرف على برنامج إذاعي أو تليفزيوني أو بودكاست بالصدفة نفسها؛ مجرد تقليب عشوائي على القنوات الإذاعية أو الفضائيات أو في صفحتك على فيسبوك فتجد مقطع «ريل» من هذا البرنامج أو البودكاست فتُغرَم به، وتحرص على متابعته. وهذا ما حصل لي بالضبط مع بودكاست «خطوط تماس» على راديو نون في عَمّان، من تقديم مالك عثامنة الذي لم أكن أعرف عنه أي شيء قبل هذا البودكاست، لكني حرصتُ بعد ذلك على البحث عنه والتعرف إليه أكثر بما تتيحه الشبكة العنكبوتية.
مالك عثامنة (كما يُعرّفه راديو نون) أو العثامنة (كما يعرّف هو نفسه في صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي) إعلامي وكاتب أردني مقيم في بلجيكا منذ عام 2012. يكتب منذ فترة ليست بالقصيرة مقالات وتحليلات في الصحف الأردنية، كــ«الرأي»، و«الدستور»، و«الغد»، وبعض الصحف العربية كـ«القدس العربي»، و«المجلة»، و«عربي 21»، و«الاتحاد» الإماراتية. عمل لفترة مراسلًا لصحيفة «الإمارات اليوم»، وشارك كمحلّل سياسي في قنوات تليفزيونية عربية كــ«العربية»، و«فرانس 24»، وغيرها. لكن ما يهمني في سيرته هنا هو بودكاست «خطوط تماس».
لا أتذكّر الآن بالضبط أول حلقة تابعتُها من هذا البودكاست لكني أتذكر الدهشة المتكررة في كل حلقة من طريقة عثامنة في التقديم؛ إذْ يظهر في الصورة بشكل جانبي وهو يتحدث إلى شخص غير مرئيّ، بادئًا بسرد حكاية قديمة مشوقة، ما يلبث أن ينتقل منها برشاقة إلى تحليل مدهش لما وراء هذه الحكاية، ثم يقرنها بموضوع معاصر ويُبسّطه للمستمع/المشاهد، دون التخلّي عن العمق الفكري الواضح، إلى أن يصل إلى خلاصة الرسالة التي يود إيصالها بسلاسة، وشيء من السخرية اللطيفة، وبلغة خليط بين الفصحى المفهومة والعامّية الأردنية المحببة. وقد برع راديو نون على صفحته في فيسبوك في تلخيص كل حلقة في «ريل» قصير تتراوح مدته بين دقيقتين وثلاث دقائق، لا يمكن لمن يُشاهده إلا أن يَنشدَّ إليه.
ولكن ما هو المحتوى الذي يقدمه عثامنة في حلقاته القصيرة أحيانًا، والطويلة نسبيًّا في أحيان أخرى؟ الإجابة أنه يقترب من موضوعات حساسة وشعبية في آن واحد، فيطرح أسئلة حول مفهوم الدولة في العالم العربي، والربيع العربي والوعي الجمعي، والديمقراطية بصيغتها «الخشنة والناعمة»، كما يناقش ظواهر اجتماعية مثل انتشار الشائعات، وانصراف الناس عن القراءة، وقيمتَيْ البساطة والتواضع اللتين بتنا نفتقدهما في مجتمعاتنا العربية. وإلى جانب السياسة والتحليل، يفتح البودكاست نوافذ على الفنّ، إذ يخصص حلقات للتأمل في تجربة فيروز وزياد الرحباني، والموسيقى بوصفها نقيضًا للتطرف، وغيرها من الموضوعات الفنية. ويغوص في بعض الحلقات في مقارنات حضارية، مثل «الرجل الأمريكي والتاريخ» أو مقارنات بين الرجل والمرأة كما في حلقة «الرجال من المريخ، النساء من الزهرة». وفي كل ذلك يحوّل عثامنة الأسئلة المعقدة إلى سرد حيّ رائق يسكن الذاكرة، ويرفض مغادرتها بسهولة.
بعد هذه الحلقات، وبعد أن عرفتُ أنه كاتب، بحثتُ عن مقالاته، فإذا بي أجدها مكتوبة بالطريقة ذاتها التي يقدم بها «خطوط تماس»: يبدأ من حكاية صغيرة، ثم يفتح منها أفقًا واسعًا للمعنى، ويُدخل القارئ في طبقات متراكبة من الوعي والهويّة والسياسة والثقافة. مقاله «بترا.. حكاية الهويّات غير القاتلة!» -على سبيل المثال- يبدأه بحكاية طفلته «بترا» المولودة عام 2012 وبجذور العائلة الممتدة بين حوران والقوقاز وبلجيكا، لينسج من هذه التفاصيل سردًا شخصيًا يتحوّل تدريجيًّا إلى تأمّل في معنى الهويّة المركّبة وحق الإنسان في تعدّد الانتماءات دون صراع. ومقاله «المواطنة.. حاضن الهويات» يبدأه بحكاية تعرفه في بلجيكا إلى الصحفي التلفزيوني والكاتب البلجيكي فلسطيني الأصل، المولود في دبي، مجد خليفة، مستعرضًا تجربته الناجحة في الاندماج، لينتقل بعدها للحديث عن تداخل الهويات لدى فلسطينيي الأرض المحتلة، قبل أن يعود إلى جذوره العائلية المتنوعة، ليخلُص إلى أن الهويات قد تكون قاتلة ما لم تحتوِها دولة مكتملة المؤسسات. أما مقال «من خارج الصندوق.. قليلًا» فيبدأه بسرد رحلته مع أسرته الصغيرة بالسيارة من بلجيكا إلى هنغاريا، مرورًا بهولندا وألمانيا والنمسا قبل الدخول في الحدود المجرية في رحلة استغرقت يومًا كاملًا، لينطلق بعدها في رحلة تأملية لتاريخ أوروبا الملطّخ بالحروب وكيف وصلت شعوبها اليوم إلى منظومة سلام وكرامة إنسانية. يقارن ذلك بواقع المشرق الغارق في صراعات متكررة، داعيًا في ختام المقال إلى تفكير «من خارج الصندوق» لبناء شرقٍ أكثر تعاونًا وإنسانية.
قد يردد قارئ مثلي بعد التعرف على مالك عثامنة: «لماذا لم أقرأ لهذا الكاتب من قبل؟»، ورغم أن ثمة حلقة في «خطوط تماس» عنوانها «لماذا لم يعد يقرأنا الناس؟» يخلص فيها عثامنة إلى أن الكاتب اليوم لم يعد جزءًا من الناس كما كان سابقًا، يعيش معهم، ويكابد همومهم، وإنما صار نخبويًّا، ويتحدث بلغة لا يفهمونها، وهذا هو سبب عدم قراءته، إلا أن مالك عثامنة بالذات أبعد ما يكون عن هذه التهمة، ولعل الإجابة الحقيقية سنجدها في حلقة «كاسة شاي بالنعناع.. كل ما تحتاجه للتعامل مع التعليقات الفيسبوكية» التي يسرد فيها بحسٍّ فكاهي كيف أنه تتبّع ذات ليلة شعر فيها بالأرق تعليقات فيسبوك -وهي بالآلاف- على مادة علمية عنوانها «طرق النوم الهادئ السليم البعيد عن القلق»، فوجد معظمها لا علاقة لها بالموضوع، ويتراوح بين إعلانات دجل، وتنابز طائفي، وشتائم أو تعليقات أخرى متطرفة، في حين لم يقترب أحدٌ من موضوع المادة العلمية. وهكذا تُعامَلُ أيضًا كتابات الكتّاب الجادّين كمالك عثامنة.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني



