
الحرب الإسرائيلية لم تتوقف
محمد عايش
حرير- الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية واللبنانية خلال الأيام الماضية تؤكد بأن الحرب الإسرائيلية لم تتوقف، وإنما تغير شكلها وتركيزها فقط، والأخطر من ذلك أن مبادرة ترامب لم تكن سوى مناورة لصالح الاسرائيليين وخديعة للوسطاء وللفلسطينيين ولا يوجد أي أفق لهذه المبادرة.
خلال الأيام الماضية نفذت القوات الاسرائيلية سلسلة اغتيالات في قطاع غزة طالت كل هدف استطاعت الوصول اليه، وهي أهداف لم تتمكن من الوصول اليها طوال عامين من حرب الابادة التي استهدفت الشعب الفلسطيني وأدت الى تدمير واسع في كل مكان، كما اغتالت القيادي في الصف الأول في حزب الله هيثم الطبطبائي مع ثلاثة آخرين في مجزرة استهدفت الضاحية الجنوبية في بيروت، ونفذت مجزرة أخرى قبلها بساعات أو أيام في مخيم عين الحلوة وانتهت بسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى الذين تبين أنهم فتية مدنيون كانوا يلعبون كرة القدم في ملعب متهالك داخل المخيم.
خلال الـ40 يوماً الأولى التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، وتلت الاحتفالية التي أقيمت في مدينة شرم الشيخ المصرية، استشهد أكثر من 300 فلسطيني في قطاع غزة وحده، ما يعني أن اسرائيل لا زالت تقتل ما بين ثمانية الى عشرة فلسطينيين يومياً في القطاع على الرغم من إعلانها المزعوم بوقف العدوان وانتهاء الحرب. هذا عدا عن اعتداءات يومية تستهدف الضفة الغربية ولبنان وسوريا، وتهديدات تستهدف الأردن وتصفه بأنه «الدولة الفلسطينية» دون أي احترام لمعاهدة «وادي عربة» للسلام.
وبموازاة المجازر التي يتم ارتكابها في غزة والضفة ولبنان ثمة اعتداءات صامتة تجري في سوريا، وهي الاعتداءات التي ربما تكون الأخطر حيث تقوم اسرائيل بفرض سيطرتها على مناطق واسعة ويجري توسيعها من الأراضي السورية، ويجري احتلال المواقع الاستراتيجية الهامة، ويجري في نهاية المطاف تغيير خريطة سوريا وتغيير المنطقة برمتها تبعاً لذلك.
وخلال الشهور الـ10 الأولى من سقوط نظام بشار الأسد نفذت القوات الاسرائيلية أكثر من 200 عملية توغل واعتداء في الأراضي السورية، وأصبحت اليوم تُهيمن على مساحات واسعة في سوريا، فيما تشير التقديرات الى أن قوات الاحتلال لم تعد تبعد عن العاصمة دمشق أكثر من 25 كيلو متراً فقط.
وفي 24 شباط/فبراير 2025 نشر المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة تقريراً قال فيه إن «المساحة الكلية التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة أو النفوذ تجاوزت 460 كيلومترا مربعاً»، وهذه المساحة تزيد عن قطاع غزة كاملاً، وعن المساحة التي كانت اسرائيل تحتلها في جنوب لبنان سابقاً.. علماً بأن هذه المساحة الواقعة تحت الاحتلال قد توسعت بكل تأكيد خلال الشهور الماضية منذ ذلك الحين وحتى الآن.
كل هذه المعلومات والاشارات والدلالات ليس لها سوى معنى واحد ونتيجة واحدة، وهي أن الحرب الاسرائيلية لم تنتهِ ولا هي توقفت، وأن مبادرة ترامب لم تكن سوى خديعة للوسطاء، لا بل إن هذه الحرب توسعت ولم تعد تقتصر على قطاع غزة، كما إن الحديث عن قوات دولية ومركز للتنسيق الأمريكي بمشاركة من بعض الدول العربية ليس له أي معنى في ظل هذه الظروف سوى أنه يهدف لتقديم المساعدة للإسرائيليين حتى يتمكنوا من تحقيق ما فشلوا فيه سابقاً.
أصبح اليوم واضحاً بأن اسرائيل تريد تغيير المنطقة بالكامل، وتريد العبث في خارطتها ودولها وشعوبها، وتريد الوصول الى الهيمنة الكاملة على هذه المنطقة وليس فقط مسح الشعب الفلسطيني وإخضاعه وتحويله الى مجرد تجمعات سكانية محكومة من ضباط جنود الاحتلال، بل إن اسرائيل تريد الهيمنة الكاملة على المنطقة، بما في ذلك القوى والدول التي تُبرم اتفاقات سلام مع تل أبيب، وهذا بدا واضحاً في التهديدات الاسرائيلية المتكررة للأردن.
وأمام هذا المشهد البائس فلا يوجد أي حل سوى أن يتحول المشهد العربي كاملاً، وأن يُدرك العرب المخاطر التي تواجههم كأمة واحدة، وأن يتخلوا عن فكرة الممالك الصغيرة التي تريدُ كلٌ منها أن تنجو بمفردها دون النظر الى الآخرين، لأنهم بالطريقة التي يتعاملون بها اليوم فإنهم يصطفون جميعاً على الطابور بانتظار أن يلتهمهم المد الاسرائيلي واحداً تلو الآخر.. يحتاج لنهضة جديدة ولأن يتعاملوا مع هذه التحديات كأمة واحدة لا كدول صغيرة متفرقة.



