هل تخلّت روسيا عن إيران

حرير – بقلم طارق الكحلاوي

التحضيرات الأمريكية، وبحرص محموم من مستشار ترامب للأمن القومي العقائدي المتصلب جون بولتون، للوصول إلى حافة الحرب مع إيران يجعل الأخيرة في وضع صعب. لكن التصعيد الأمريكي الإيراني يركز الضوء على مسالة أساسية؛ هي السلوك الروسي. فهل تتصرف موسكو مع طهران كحليف، أم تتصرف بشكل انتهازي، بما يجعلها تتخلى عنها في أول اختبار لازمة جدية مع صديق موسكو في البيت الأبيض؟ هذا السؤال يطرح سؤالا أكبر: أي هل تتصرف موسكو في المنطقة وفق استراتيجيا منسجمة واضحة المعالم؟ أم بشكل متقطع ومضطرب يجعل التكتيك واقتناص الفرص هو بوصلتها، وليس بناء مجال تحالف ثابت؟

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الأربعاء الماضي، خلال استقباله وزير الخارجية الأمريكي، إن موسكو تشعر بالأسف لأن الصفقة النووية الإيرانية تنهار، لكنه أكد أن روسيا ليست “فرقة إطفاء” لإنقاذ كل شيء. ويبدو من ذلك موقف المتفرج غير المعني بالتورط لصالح طهران في الأزمة، والمختلف بعض الشيء عن موقف وزير الخارجية الروسي لافروف قبل أسبوع، عند استقباله وزير الخارجية الإيراني، من ذلك عندما حمّل واشنطن مسؤولية التصعيد.

 

يبدو من ذلك موقف المتفرج غير المعني بالتورط لصالح طهران في الأزمة، والمختلف بعض الشيء عن موقف وزير الخارجية الروسي لافروف قبل أسبوع،

بلا شك، فإن الصراع في سوريا جعل من العلاقة بين روسيا وإيران تبدو في صورة “التحالف الصلب”، غير أن العلاقة تبدو أكثر هشاشة مما يظهر. خلال الحرب في سوريا، حدثت أكثر من لحظة تكشف هذه الهشاشة. مثلا في شهر أيار/ مايو 2016، عندما تعرضت القوات الإيرانية لخسائر بشرية كبيرة (وصلت إلى 80 قتيلا)، جراء هجوم من جبهة النصرة جنوب حلب، واعتبر الإيرانيون آنذاك أن ذلك لم يكن ليحدث لو وفر الروس غطاء جويا في المعركة. وبعد ثلاثة أشهر، علقت طهران استعمال الروس للقاعدة الجوية الإيرانية في همذان. أيضا التبرم الإيراني الرسمي (تصريحات ظريف) من التوافق الروسي- الأمريكي حول سوريا خلال قمة العشرين في تموز/ يوليو 2017.

في كل الحالات، وحتى في أوج التقارب بين البلدين، تجنب بوتين استعمال مصطلح “التحالف الاستراتيجي”. ومثلما تذكرنا دراسة لجون باركر “بين روسيا وإيران.. هناك مجال للدفع بالمصالح الأمريكية في سوريا” (لمعهد الدفاع الوطني الأمريكي، كانون الثاني/ يناير 2019)، فإن وزير الخارجية الروسي بريماكوف قال ذات مرة أواخر التسعينيات بوضوح: “علاقتنا جيدة معكم (الإيرانيين)، لكن لا حاجة لتسميتها تحالفا استرتيجيا.. ليس لدينا تحالف استراتيجي مع أي كان”.

للتذكير، بريماكوف، والذي بقي لسنوات عقل روسيا ما بعد السوفييتية في السياسة الخارجية، اعتبر دائما أن حرب 2003 في العراق ضربت في العمق توازنا استراتيجيا في المنطقة؛ ضبطه اساسا التوازن بين العراق وإيران.

 

رغم ثلاث قمم سياسية بين زعماء البلدين خلال عامين، لا يوجد تفعيل في الجانب الاقتصادي لأي من الاتفاقيات الكبرى بينهما

ومثلما تذكر ذات الدراسة، فانه رغم ثلاث قمم سياسية بين زعماء البلدين خلال عامين، لا يوجد تفعيل في الجانب الاقتصادي لأي من الاتفاقيات الكبرى بينهما، بما في ذلك الاتفاق على إقامة مشروع إنتاج غاز ضخم في بندر عباس، منذ سنة 2016. كما أن حجم التبادل التجاري تراجع في السنين الأخيرة رغم ارتفاعه سنة 2016، ويبقى عموما ضعيفا مقارنة مثلا بالتبادل التجاري بين روسيا والصين (مليارا دولار مقابل 52 مليار دولار).

النفط عامل أساسي لمتابعة السياسة الروسية تجاه إيران. وقد كتبت إيميلي تامكين في الواشنطن بوست (8 أيار/ مايو) أن تفعيل العقوبات الأمريكية ضد أي مشترين للنفط الإيراني يساعد عمليا روسيا. إذ تقول باربرا سلافين، مديرة “مبادرة مستقبل إيران” في مجلس المحيط الأطلسي (مركز بحث مقره واشنطن): “إن سعر النفط أعلى بنسبة 30 في المئة عما كان عليه قبل عام”، وهو واقع يرجع جزئيا على الأقل إلى “ما فعلته إدارة ترامب بشأن إيران”. لتختم: “يمكن للروس الجلوس والاستمتاع بارتفاع أسعار النفط”.

قبل أيام قليلة، لخص المختص في النفط كايرل ويدرشوفين (Cyril Widdershoven) لموقع “Oilprice.com” الاتجاه الروسي الواضح للتقارب مع السعودية، في إطار صفقة كبرى للاندماج في أويك على حساب إيران: “الفرق الرئيسي الآن هو أن طهران فقدت الكثير من نفوذها في أوبك، بسبب رحيل قطر والانهيار في فنزويلا. لم تعد طهران تحتفظ بأية أوراق حقيقية، حتى أن التهديد بعمل عسكري في الخليج أو في أي مكان آخر سوف يأتي بنتائج عكسية. يتجه كارتل النفط لإعادة ترتيب الصلاحيات، وإعادة ترتيب يشارك فيها ممثل جديد. لا تزال موسكو تتجه نحو اتفاق رسمي مع أوبك، تهدد بإسقاط أي مستقبل إيراني في الكارتل لفترة طويلة جدا. لقد ولت حاجة بوتين إلى إيران، حيث أصبحت الرياض وأبو ظبي وليبيا أكثر بروزا”.

الحقيقة أن السؤال الأكبر يتجاوز إيران، ويتعلق بالاستراتيجية العامة الروسية في المنطقة. وناقشت ندوة نسقها برنامج “يورميسكو” (Euromesco) مؤخرا في تونس؛ الموضوع تحت عنوان مباشر: “دور روسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: استراتيجية أم انتهازية؟”. إحدى الأوراق التي تم نشرها في كتاب جماعي وكتبها كريستوفر هارتويل ( Christopher Hartwell)، الباحث البريطاني في مركز “CASE”، أشارت إلى أن الاستثمار الروسي ينحو نحو اتباع منهجية الاستثمار السوفييتي (بين الحكومات وليس عبر القطاع الخاص)، أيضا يقوده أساسا الاستثمار السياسي، وليس من أجل الربح المحض. بهذا المعنى نحن إزاء استراتيجية متقلبة في أقل الحالات، إن لم يكن تكتيكا اقتصاديا لاهداف سياسية.

 

هناك أساس للتقارب بين روسيا وإيران على أساس الحكم الشمولي المشترك، لكن ذلك يجعل الحكم في السعودية نظريا على ذات المسافة ومن ثمة القرب

زياد عقل، الباحث في مركز الأهرام، يتحدث في ذات الدراسة عن انسجام لسياسة عامة في المنطقة؛ تركز على حكم “الرجل القوي”، والدفاع عن منظومة ومنهج الحكم الاستبدادي، كرؤية عامة تصوغ السياسة الروسية في المنطقة. نحن هنا إزاء استراتيجية تقوم على أيديولوجيا التحالف مع الاستبداد، كحليف ثابت، مثل التحافل مع الأطراف ذات المنحى الاشتراكي في الحرب الباردة. أي مضمون أيديولوجي تقريبا للسياسة الخارجية.

هناك أساس للتقارب بين روسيا وإيران على أساس الحكم الشمولي المشترك، لكن ذلك يجعل الحكم في السعودية نظريا على ذات المسافة ومن ثمة القرب، بل من خلال هذا التصور يبدو الحلف الإماراتي- السعودي الأكثر نشاطا في تيار الثورة المضادة ضد أي بناء ديمقراطي. وهذا سبب آخر أكثر قوة لمزيد من الهشاشة العلاقة بين روسيا وإيران، وفتورها المتوقع في الفترة القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة