لا تتركوا التطرف يكبر في الظل حتى يصبح إرهاباً في العلن

من كنيسة حمود إلى شوارع عمّان.. هل نقرأ رسائل الخطر قبل فوات الأوان

بقلم المخرج : برهان سعاده

لم تعد المسألة مجرد حوادث أمنية متفرقة يمكن أن نكتفي إزاءها ببيانات الاستنكار والتعزية. فما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك من اعتداء إرهابي استهدف كنيسة ومواطنين آمنين، وما شهدته العاصمة عمّان اليوم من اعتداء بطعن أحد رجال الأمن العام الأردنيين، يضعنا أمام أسئلة وطنية وأمنية واجتماعية لا يجوز تأجيلها أو التعامل معها باستخفاف
في الكرك، امتدت يد الإرهاب إلى مكان للعبادة، واستهدفت مواطنين أردنيين وهم يمارسون شعائرهم الدينية ويشيّعون موتاهم. وفي عمّان، امتدت يد أخرى لاستهداف رجل أمن يرتدي بزته الرسمية ويؤدي واجبه في حماية الناس. قد تختلف الوسيلة والمكان والظروف، لكن القاسم المشترك الذي يستحق التوقف عنده هو خطر الفكر المتطرف حين يتحول إلى عنف يستهدف الإنسان وأمن المجتمع والدولة
وليس من الضروري أن تكون هناك علاقة تنظيمية أو صلة مباشرة بين الحادثتين حتى ندرك خطورة الرسالة التي تفرضانها علينا. فالاعتداء على كنيسة هو اعتداء على حرية الاعتقاد والنسيج الوطني، والاعتداء على رجل أمن هو اعتداء على القانون وهيبة الدولة. وفي الحالتين، نحن أمام خطر لا يستهدف فرداً بعينه، بل يستهدف فكرة الأردن الذي عرفناه، الأردن الذي جمع أبناءه على اختلاف أديانهم وأصولهم في وطن واحد ومصير واحد
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام عودة مقلقة لخطاب التطرف والعنف؟
لا نريد أن نزرع الرعب في نفوس الأردنيين، ولا أن نطلق أحكاماً متسرعة، ولكننا في المقابل لا نريد أن ننتظر وقوع المزيد من الضحايا حتى نبدأ مراجعة ما ينبغي مراجعته
إن التعامل مع الأشخاص الذين سبق أن ارتبطت أسماؤهم بقضايا إرهابية أو أحكام قضائية تتعلق بالتطرف يستوجب متابعة قانونية وأمنية متخصصة، لا سيما عندما تظهر مؤشرات جدية على استمرار تبنيهم الفكر التكفيري أو استعدادهم لممارسة العنف. كما أن برامج إعادة التأهيل والمراجعات الفكرية ليست ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة لحماية المجتمع من عودة التطرف بأشكال جديدة
ولا يجوز في هذا السياق أن نضع كل من خرج من السجن أو أنهى محكوميته في خانة الاتهام؛ فالعدالة تقتضي التمييز بين من يسعى إلى استعادة حياته الطبيعية وبين من تثبت خطورته بالأدلة والمؤشرات المهنية
أما الأسرة والمجتمع، فهما خط الدفاع الذي لا يجوز إغفاله
إن التطرف لا يولد دائماً في الشوارع، بل قد يبدأ بفكرة تتسلل إلى عقل شاب، أو خطاب كراهية يتكرر في محيطه، أو تحريض على الآخر المختلف دينياً أو فكرياً. وهنا تقع مسؤولية الأسرة في الانتباه إلى التحولات السلوكية الخطيرة، ومسؤولية المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في مواجهة ثقافة الإقصاء والتكفير والتحريض
كما أن الصمت عن التهديدات الجدية ليس حكمة، والتغاضي عن التحريض على العنف ليس تسامحاً. فالمجتمع الواعي هو الذي يعرف متى يحمي أبناءه، ومتى يبلغ الجهات المختصة، دون أن يتحول إلى مجتمع من الشكوك والاتهامات والشائعات
إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لآليات الوقاية والاستباق، وإلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية، وإلى التعامل مع التطرف باعتباره مشكلة فكرية واجتماعية وأمنية في آن واحد
الأردن ليس جزيرة معزولة عن محيط مضطرب، ولكنه ليس وطناً مستباحاً أيضاً
لقد كان الاعتداء على كنيسة حمود امتحاناً لوحدتنا الوطنية، وكان الاعتداء على رجل الأمن في عمّان امتحاناً ليقظتنا الأمنية. ولا ينبغي أن نسمح لأي فكر تكفيري أن يقسم الأردنيين إلى طوائف، أو أن يصوّر الاختلاف الديني عداءً، أو أن يجعل من رجل الأمن هدفاً مشروعاً في عقول أصحابه
نريد دولة لا تنتظر الجريمة حتى تتحرك، ومؤسسات تملك القدرة على اكتشاف الخطر قبل وقوعه، وأسراً لا تتخلى عن أبنائها، ومجتمعاً لا يمنح التطرف مساحة للتنفس
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ردود الفعل إلى ثقافة الوقاية، ومن الاستنكار المؤقت إلى العمل المؤسسي المستمر
من كنيسة حمود إلى شوارع عمّان، الرسالة واحدة: لا تتركوا التطرف يكبر في الظل حتى يصبح إرهاباً في العلن
رحم الله ضحايا كنيسة حمود، ورحم رجل الأمن الشهيد، وحمى الله الأردن، مسلمين ومسيحيين، وحفظ جيشه وأجهزته الأمنية، وأدام على هذا الوطن وحدته وأمنه واستقراره
فالأردن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل بيت يجمعنا جميعاً، ومن واجبنا ألا نسمح لأحد أن يهدمه من الداخل.
@followers

مقالات ذات صلة