
حان زمن تصفية حساب واشنطن مع طهران
جلبير الأشقر
حرير- أعيد منذ أيام وضع تصفية حساب واشنطن مع طهران على نار قوية، تحسباً لتخطي محطة الانتخابات الأمريكية التي كانت سبباً لتجميد نسبي للجبهتين العسكرية والسياسية منذ بضعة أسابيع. فإن استياء غالبية الرأي العام الأمريكي من خوض دونالد ترامب لحرب لا ترى جدوىً منها، لاسيما أن الحرب انعكست سلباً على قدرة المواطنين الأمريكيين الشرائية، ذلك الاستياء جعل واشنطن تضع النزاع مع إيران على نار خفيفة ريثما تجتاز المرحلة الانتخابية. وقد تسلّط الضوء خلال الأسابيع الماضية على الخلاف الجليّ بين حسابات ترامب وحسابات نتنياهو في هذا الصدد، إذ إن الأخير تمنّى على العرّاب الأمريكي أن يشنّا معاً عدواناً جديداً على إيران قبل الجولتين الانتخابيتين، على أمل أن يستفيد هو منه في انتخابات الكنيسيت التي جرت قبل أسبوع، لكون تلك الحرب بالغة الشعبية لدى الناخبين الإسرائيليين اليهود خلافاً للحالة الأمريكية.
بيد أن نتنياهو وبالرغم من مصاعب عديدة، من مسؤولية الإخفاق في توقّع ودرء العملية التي قادتها «حماس» قبل ثلاث سنوات، إلى الأذى الذي يلحق به من حليفيه الأكثر تطرّفاً، وعلى الأخص بن غفير والهجمات العرقية الإجرامية التي يحثّ عليها ويسهّلها في الضفة الغربية، وصولاً إلى الازدراء الذي واجهه رئيس الوزراء الصهيوني من طرف إدارة ترامب عندما آثرت مواصلة مواجهة طهران بقرار منفرد بدون حتى استشارته، بالرغم من كل هذه المصاعب وسواها المتعلقة بالسياسة الداخلية الإسرائيلية، تمكّن نتنياهو من الحصول على أكثرية من الناخبين الإسرائيليين اليهود، محبطاً آمال المعارضة الصهيونية وتوقّعاتها. وحيث أعادت النتيجة الانتخابية تكريس مكانة حزبه، حزب الليكود، بوصفه أكبر الأحزاب الصهيونية، فإن نتنياهو ما برح في الموقع الأقوى للاستمرار في إدارة دفّة الدولة الصهيونية. وقد بات يراهن الآن على تجديد العدوان على إيران كي يحفّز فرصته في الاحتفاظ بمنصبه، على الأخص من خلال الدعوة إلى «الوحدة الوطنية» وجذب بعض أركان المعارضة الصهيونية إلى الانفكاك عن حلفائها والانضمام إلى جانبه في حكومة حرب جديدة.
أما ترامب، وعدا لو خسر غرفتي الكونغرس الأمريكي، الأمر الذي لو تمّ سوف يفرض عليه بالتأكيد مراجعة بعض حساباته، فإنه يتطلّع بفراغ صبر إلى حسم الموقف مع طهران في اتجاه أو آخر. ولا زالت واشنطن تراهن على أن تهديدها العسكري سوف يُفضي إلى ترجيح كفّة السياسيين دعاة المساومة في الحكم الإيراني على حساب القيادة الأمنية-العسكرية المتشدّدة. وبالطبع، يقتضي ذلك بالدرجة الأولى تصعيد التهديد العسكري، وهو بالضبط ما سعى إليه البنتاغون في الأسابيع الأخيرة حيث أرسل تعزيزات عسكرية كبيرة إلى مسرح العمليات في إطار من التلويح بخوض عدوان سوف تفوق حدّته جولات الحرب السابقة بصورة كيفية.
وفي الوقت نفسه، تستمرّ الإدارة الأمريكية من خلال توزيع للأدوار فيها، أنيط فيه دور «المعتدل» لفانس، نائب الرئيس، كما من خلال توسّط حلفائها الإقليميين، باكستان وتركيا وقطر، تستمرّ في محاولة جلب طهران من جديد إلى ذلك الاستعداد الذي انجلى في اتفاقية إسلام آباد بعد مرحلة العدوان الأولى، لمّا أدار الجناح السياسي الإيراني المفاوضات وأفلح في نيل تنازلات جمّة من واشنطن، ما لبث الجناح العسكري أن أجهضها مضيّعاً فرصة ثمينة لتحسين أوضاع إيران الاقتصادية. والحال أن إدارة ترامب أعلنت بعد ذلك أن ما قدّمته في إسلام آباد لم يعد صالحاً، لاسيما أنها تلقّت الكثير من اللوم على ما قدّمته لطهران بدون أن يفلح الأمر في إنهاء الحرب وجرّ إيران إلى فتح صفحة جديدة من التعاون مع أمريكا كما يشتهيه ترامب، أملاً منه بتكرار ما أحرزه إزاء فنزويلا.
بكلام آخر، فإن واشنطن مستمرة في سياسة «العصا والجزرة» حيال طهران، وسوف تنقشع الأمور بسرعة الآن وتُحسم في أحد الاتجاهين. ولا شك في أن الأمن الخليجي برمّته بات في صلب أولويات واشنطن، لاسيما بعد ما تعرّضت له ولا زالت تتعرّض على يد حلفاء إيران الحوثيين، المملكة السعودية، حليفة الولايات المتحدة الأهم والأغلى في المنطقة. وقد كان للإخفاق النسبي الذي لقيته إدارة ترامب في مواجهتها لإيران حتى الآن وقعٌ بالغ السوء على العقد الضمني القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في حالة المملكة، ومنذ الحرب الأولى على العراق في بداية التسعينيات في حالة سائر دول الخليج العربية، وهو العقد القاضي بضمان أمريكا لحماية الأنظمة المعنية لقاء منحها الأولوية لحاميتها في مسلكها الاقتصادي.
لذا، وحيث إن ترامب ليس رجلاً يقبل بالهزيمة في أي حقل من الحقول، فإنه لمن الأرجح أن يُحسم النزاع مع إيران حرباً أو سلماً في الأسابيع القادمة، خلافاً لما يتوقّعه الكثيرون من استمرار النزاع لأشهر عديدة. ويترافق ذلك بوضع إدارة ترامب إنهاء حرب أوكرانيا هي أيضاً على نار قوية، بغية التخلّص من الأزمتين العالميتين الكبريين في زمننا الراهن وفتح المجال أمام توغّل المصالح الأمريكية في روسيا كما في إيران، وهو ما تصبو إليه جماعة ترامب بحماس، إذ إن من شأنه أن يحقق مصالحها الذاتية والعائلية، مثلما من شأنه أن يعيد بعض البريق لرئاسة ترامب ولأنصاره الجمهوريين.



