عندما يخلع البعض جلده!

د. صبري صيدم

حرير- هالني ما سمعت قبل أيام على لسان رئيسة حزب المحافظين البريطاني المعارض كيمي بادينوك، في تعليقها على تصريحات رئيس الحكومة البريطانية آندي بيرنام حول تفكيره الجدي بالاعتذار عن دور بريطانيا التاريخي في تجارة الرق والعبودية، حيث قالت بادينوك التي تحتل اليوم أيضاً موقع رئيس حكومة الظل إنها: لا تريد لبريطانيا أن تبدو ضعيفة، وأن زمن الاعتذار انتهى، وأن بريطانيا قدمت الكثير من الاعتذارات، وآن الأوان للتركيز على قضايا أكثر إلحاحية، خاصة ما يتعلق بالوضع الداخلي.

ولعل مصدر صدمتي الأكبر جاء لكون بادينوك تنحدر من أصولٍ نيجيرية، أي من بلد كان في يوم من الأيام بالنسبة لبريطانيا، أحد أهم محطاتها للاتجار بالبشر، ما جعل من أجداد بادينوك شهوداً على العبودية بأبشع صورها، بعد أن مارستها الدول الاستعمارية في بلدها الأم وفي عدة مناطق من العالم.

غريب بالفعل هذا الحال الذي نرى فيه أبناء المهاجرين يخلعون جلدهم، ويحاولون الظهور بمظهر الولاء بأي ثمن، حتى على حساب مبادئهم وقناعاتهم، بل تاريخ أسلافهم، فيدخلون في إطار المزاودة السياسية ليس إلا، أو لأنها ترأس الحزب المعارض، ما يجعلها متأهبة لمعارضة كل ما يرشح عن الحكومة وحزب العمال. هذا الواقع الأليم لا يمهد الطريق أمام بريطانيا وغيرها من الدول الاستعمارية السابقة لتعتذر عن العبودية ممن أخطأت بحقهم فحسب، بل تعتذر عن كل ما جرى من أخطاء وعلى رأسها وعد بلفور، بعد مئة وتسعة أعوام على صدوره، خاصة أن بريطانيا اليوم وأكثر من ذي قبل، مطالبة بأن تقف عند مسؤولياتها الأخلاقية وتقدم للشعب الفلسطيني اعتذارا واضحا عن الوعد المشؤوم، وكل ما ترتب عليه من نكبات ونكسات، وما آلت إليه أحوال الفلسطينيين الذين دفعوا ويدفعون الثمن من أعمار أبنائهم حتى تاريخه، ثمن هذا الوعد الذي شتت شملهم وألقى بهم إلى منافي الأرض، فارتفع بدوره رصيد المعاناة الأكبر في تاريخ المستعمرات السابقة. ما يجري اليوم في حياة الفلسطينيين، يؤكد حجم الهزات الارتدادية التي يعيشها هذا الشعب، ليس فقط بفعل استدامة الاحتلال فحسب، بل من خلال استمرار تجبر هذا الاحتلال عليهم حتى بعد ثلاثة أعوام من الحرب، وبعد صدور قرارات محكمة العدل الدولية ومذكرات الاعتقال الصادرة عن محكمة الجنايات الدولية، واعتراف العالم بفلسطين التي قدمت مئات الآلاف من أبنائها وبناتها على مذبح الحرية.

صحيح أن الحكومة البريطانية الحالية قدمت الاعتذار في سبتمبر الماضي، عن تقصير الحكومة التي سبقتها في تعاملها مع المذبحة المتواصلة بحق شعبنا الأبي في قطاع غزة، واتخذت خطوات بحق المستوطنات في الضفة الغربية، إلا أن هذا الشعب الجبار وفي كل عام تحل معه ذكرى وعد بلفور المشؤوم كما هذه الأيام، يشعر بالجرح العميق الذي ولّده هذا الوعد، وما ترتب عليه من كوارث ومذابح ومآسٍ وتشريد. وهو ما يستوجب بدوره الاعتذار والتعويض.

في موقع آخر من العالم وتحديداً هذه المرة في فرنسا، رأينا وسمعنا جنوح البعض للتعامل بعقلية استعبادية مع تظاهرات المهاجرين والمحتجين على تفاقم الأوضاع الاقتصادية فرأينا وسمعنا من يتهم جميع المحتجين بأنهم مهاجرون متخلفون همجيون وفوضويون، وليكتب أحدهم معلقاً على صورة لمحل لبيع الكتب لم يخضع للسرقة، العبارة التالية: المثقفون لا يسرقون والسارقون لا يتثقفون، وهو ما ولّد القناعة بأن البعض إنما تفادى التركيز على القضايا الجوهرية محاولاً إبراز المهاجرين والفقراء بصورة همجية، وأنهم ليسوا من أهل الثقافة والعلم، وان أصحاب الثقافة والحضارة وقرّاء الكتب، هم من المجتمع الأصيل غير المهاجر، وفي هذا ترسيخ واضح لمفاهيم العنصرية، خاصة أن كثيرا من المثقفين اللامعين هذه الأيام هم من أبناء المهاجرين. هذا الحال طبعاً ليس تبريرا لعمليات التكسير أو النهب أو السرقة أو التخريب، وليس في الوقت ذاته إدانة لحق الدولة في حماية الممتلكات العامة، وإنما هو تناولٌ واضحٌ وصريحٌ للحديث الدائم عن اللاجئين والمهاجرين في إطار التمييز الاجتماعي، أو الديني القائم على البعد الإثني أو القيمي، الذي يفرق بين البشر، ولا يبحث في سبل توحيدهم وحل مشاكلهم. ولعل تصريحات الرئيس الأمريكي بهذا الخصوص كانت الأكثر وضوحاً عبر شكواه من الرئيس الفرنسي، مدعياً بأنه سبق وحذره عدة مرات من تعاظم أعداد اللاجئين.

وفي إطار الحديث عن اللاجئين وعن حقوقهم، تأتي قضية الانتخابات النصفية الأمريكية، وما أثاره موضوع المرشحين من أصول مختلفة من محاولات مستميتة من قبل البعض للانتقاص من حق هؤلاء في التنافس، بل إصرار البعض على الطعن في حقهم بخوض العملية الانتخابية برمتها، والسعي لتشويههم ومنع مشاركتهم في الحياة السياسية، عبر اتهامهم بالكراهية والحقد والاختباء وراء أجندات دينية. لقد وصلت بشاعة المواقف إلى حد قذف المرشحين بدياناتهم وتحديدا الدين الإسلامي، ووصمهم بالتطرف والرغبة في أسلمة المجتمع وفرض الشريعة الإسلامية. لقد بات استخدام الدين بوصفه مصدراً للخوف حدوداً غير مسبوقة بصورة يعتبرها الكثيرون بمثابة تجاسر على انتماءات الناس وعقائدها، وتطاول فاضح على حرية الرأي، عبر استسهال الإفصاح علنا عن مشاعر ونوازع تشكل بحد ذاتها مفاهيم عنصرية في التعامل مع العملية السياسية برمتها. من يا ترى يمتلك الحق بالحديث عن الأديان بهذا الشكل؟ من يمتلك الحق في إدانة الناس وفق أعراقهم أو عقائدهم أو إمكانياتهم الذهنية، أو قدرات مجتمعاتهم؟ لقد ولدت هذه النزاعات التي تحللت من أبسط مقومات الأخلاق، إثر حوادث ميدانية سمحت للعلاقات الآدمية أن تخرج عن حدود المنطق والمعقول والمقبول. ولعل وجود خطاب صريح ضد أقليات بعينها، يؤيد ترحيلهم وتهجيرهم ومنع مشاركتهم في الحياة السياسية، ساهم في الاستمرار في نهج التطاول والخروج عن ابسط القيم الإنسانية في التعامل مع أخلاقيات البشر. لقد بات الحديث علانية أيضاً ضد الهوية العربية في إسرائيل مثلاً، والدين الإسلامي، ودور العرب في الحكم، بمثابة الفرصة لاستسهال سلبهم حقوقهم، وسرقة أرضهم وممتلكاتهم، ومصادرة أموالهم.

لقد عانت البشرية خلال العقود الثلاثة الماضية تحديداً، من حالة مستفحلة من العنصرية التي تزامنت مع الجهد البشري الكبير لمكافحتها، ما شكل اصطداماً صعباً وانكفاءة غير مسبوقة لهذا الجهد، وإضعافاً لأية مساعٍ مستقبلية لإعادةِ ترميم أخلاقيات التعامل مع الأعراق والشعوب. كما ساهم وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الواجهة السياسية، وحديثه العلني القائم أحياناً على استحقار شعوب ومجتمعات بعينها، وتناول موضوعات اللاجئين بسلبية، وبناء الجدار المانع لوصولهم للولايات المتحدة الأمريكية على طول الحدود مع المكسيك، وإقحام أجهزة الدولة في مواجهة اللاجئين، (ساهموا مجتمعين) في إذكاء نار التوتر بين أركان المجتمع الواحد، حتى وصلنا إلى حال نرى فيه بعض الساسة الأمريكيين يستمرئون التصرف بعقلية استعلائية قائمة على القناعة بأن غيرهم لا حقوق لهم، وأن ممارسة هؤلاء لأي دور سياسي أمر مرفوض.

لابد من الخروج من هذه الحالة المستفحلة القائمة على الدونية في تعامل البشر فيما بينهم، كما لا بد من إنهاء كل ما يعزز من مفاهيم التفرقة والعنصرية وحتى العبودية، إذ لا يمكن الحديث عن ازدهار الإنترنت، وتطور الذكاء الاصطناعي، وتنامي القدرات البشرية الجامعة للإنسانية في خضم واقع بشري غير مقبول.

لا بد من التدخل والتعامل الآدمي المسؤول وبشكل صريح وعلني، في واقع تتصالح من خلاله البشرية مع بعضها بعضا، وتتجاوز أخطاء الماضي، وتركز على تقاسم هموم العالم على أرضية العدالة وتوزيع الثروات، والمشاركة في حماية البشرية من كل المصائب القائمة، والناجمة عن الحروب، وصراع المال والثروات، والتلوث البيئي، وشح الموارد، والمجاعة، ونقص المياه. فهل يستفيق العالم أم يستمر البعض في خلع جلده والتنصل من تاريخه أو حتى من أخلاقه. ننتظر ونرى!

مقالات ذات صلة