في حادثة الأردن الإرهابية

عطاف الروضان

حرير- حسم الأردن مباشرةً موقفه الرسميّ والشعبيّ بعد الواقعة الإرهابية التي طاولت قرية وادعة في محافظة الكرك (جنوب)، ووصف استهداف مواطنين مدنيين آمنين في كنيسة بأنه عملية إرهابية غادرة، ولن تمسّ أمن الأردن ولحمته الشعبية وكفى.

أعلنت شوارع الأردن عشية الحادثة الحداد قبل أن تعلنه الحكومة. بلا قرار ولا دعوة، اعتكف الأردنيون في بيوتهم خلف الشاشات يبحثون عن أسماء أصدقاء ومعارف وأقارب كانوا هناك وقت الجريمة. إنها قرية حمود، آمنة وادعة بين تلال الكرك، بوابة حضارية وإنسانية منذ بدايات القرن الماضي، مدرستها الهادئة وسوقها التجاري العريق وأبوابه المفتوحة للقمح أوقات الحصاد لأبنائها وللقرى المجاورة. لا تسألهم ما دينك ومن ربك، بل اقترب نتشارك محصولاً هو من الأرض التي تجمعها بلا خلفياتٍ أو انطباعات مسبقة.

لا يتجاوز عدد سكان حمود 300 نسمة، يزيد مئة أو مئتين عند عودة المغتربين. اتخذ سكّانها (وغالبيتهم من كبار السن والمتقاعدين) قرار البقاء فيها وانتظار من يعود من أبنائها كل صيف، وهي التي تنام بعد ساعات الغروب بقليل. كانت صدمة الأردن كبيرة فلم تشهد في كل ما شهدته من حوادث إرهابية اعتداء على مسيحيين آمنين في بيت عبادتهم وفي جنازة يشاطرهم جيرانهم المسلمون فيها حزنهم.

هنا لا بدّ من الحديث الصريح بين الأردنيين أنفسهم، بعيداً عن دوائر صنع القرار، ويُطرح السؤال بصوت عالٍ: ما الذي تغيّر في بنية المجتمع الأردني لتصيب سهام التطرّف والإرهاب المسمومة قلبه في العمق؟ ما الذي حصل على مدار العقود الأخيرة ليهلّل بعضٌ جهاراً نهاراً على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم الضوابط القانونية والأمنية المشدّدة، بهذه الجريمة من دون أن يرفّ له جفن وباسمه الصريح الواضح. ولم ينسَ الأردنيون جريمة اغتيال الكاتب ناهض حتّر على درج محكمةٍ في عمّان في وضح النهار، ويعلن الجاني تطرّفه الديني بلا خوف ولا وجل.

ليس كل مَن يثير تلك النعرات ذباباً إلكترونياً، بل أردنيون وأردنيات، أمهات وآباء، وبعضهم في مؤسّسات تعليمية. وهذا أعظم المصائب. التقط ذلك الذباب رائحة التطرّف النتنة من حساباتهم وخطابهم، وتكفل بالباقي. وهنا من غير المنطقي أبداً الاكتفاء بأنّ الجريمة وجدت بيئة خصبة بين هؤلاء، ومن يؤثرون عليهم في بيوتٍ بعيدة ومؤسّسات تعليمية غير مراقبة ودور عبادة نائية، إذ لا بدّ لهذا الفكر المتوحش من حواضن ورعاة معنوياً وتنظيميّاً ومالياً، من ذوي مصلحةٍ بأن يُضرب هذا البلد الذي طالما ظلّ مثالاً للاعتدال والتسامح، فيزرع الفوضى ويمرّر مشاريع إقليمية توسعية، والأردن كان وما يزال أبرز أهدافها.

من ينظر بعين المحايد، وليس فقط المحب، لا ينكر أن الأردن لم يرع الإرهاب والخطاب المتطرّف يوماً، ولم يشجّع عليه، رغم ابتلائه بمجموعات وتنظيمات من أبنائه أنفسهم، أقدامهم على ترابه ورؤوسهم خارجه. وسار الأردن دولة وقيادة وصانع قرار بموقفه الرافض للإرهاب، ليس داخل أراضيه بل خارجه، فدان إرهاب الجماعات في الإقليم ورفضها، وكذا إرهاب الدولة الذي تقترفه إسرائيل في فلسطين، ولم يتهاون، ولم يهادن في موقفه الثابت بعض القوى والجماعات وحتّى الدول.

تاريخياً، طارد الأردن الإرهاب على أرضه وخارجها، وربما تأخّر أحياناً، ولم تثنه حدود من تتبع الجماعات الإرهابية في جحورها خارج حدوده، وانتقم أبناؤه ليس لضحايا الإرهاب من أبنائه أنفسهم فحسب، وإنما لكل مقيم على أرضه أو جمعتهم معهم جيرة وحدود. ولا يترك الأردن ثأره طال الزمن أم قصر. يلخص هذا القول “الأيام أطول من أهلها”، فالتروّي لا يعني التجاهل أبداً. ويعلم الأردنيون أن تلك الجماعات تفرّقت، ولا بدّ أنّ بعض عناصرها تسلّلت إليهم، واستغلت ظروفاً اقتصادية ضاغطة، وعوائد تنمية مشتّتة في الأطراف والقرى والبوادي والمخيّمات، واحتضنت شباباً باحثين عن فرصةٍ فكان ما كان!

وبعيداً عن الربط الإقليمي والمحلي بفكر إرهابي متطرّف زرع بين الأردنيين يرفضونه جميعهم بالتأكيد، إلّا أن هذا لا يعني إعادة النظر بخطابهم ورؤيتهم إلى بعضهم بعضاً، ليس في الأردن فحسب، ولكن في بلاد الشام قاطبة (مهد المسيحية الأول منذ أكثر من ألفَي عام). والعرب والأردنيون المسيحيون ليسوا ضيوفاً، بل أهل أرض، وليسوا ملح البلاد، بل هم أساس البلاد. وتشترك عشائر أردنية بالاسم نفسه، وتعود تاريخيّاً إلى أبناء عمومة واحدة لا تفرّق أردنياً مسيحيّاً عن مواطن آخر في اللهجة والعادات والتقاليد، فأساس البنية العشائرية عربية غسّانية مسيحية، اندمجت فيها قبائل عربية من الجزيرة العربية. وللمصادفة كانت بعضها قبل الإسلام وثنية وأخرى مسيحية أو يهودية!

المدعوّ هنا إليه التوقف عن حديث تقبل الآخر، وبدء الحديث بمعيار المواطنة الصرفة التي يضمنها الدستور، ولا يفرّقها دين أو عرق أو خلفية اجتماعية، فمن ولد أردنياً واختار أن يكون أردنياً يجب أن يُتعامَل معه على هذا الأساس، أولاً وأخيراً، وهذا فصل الخطاب، وهذا العلاج الأسرع لنبذ الإرهاب وغلق كل الأبواب لأي فكر مسموم يتسلّل في ليل.

مقالات ذات صلة