ما الذي يجري في جنوب جزيرة العرب؟

أنيس فوزي قاسم

حرير- لم تأت هذه المقالة دعماً للمملكة العربية السعودية ضد الحوثيين، ولا دعماً للحوثيين ضد المملكة، بل جاءت صوتاً مغمّساً بمحرقة غزة وحريق الضفة الغربية، وأصلّي أن لا تمتد هذه المحارق إلى أي جزء في الوطن العربي عامة، وإلى جنوب الجزيرة خاصة. إن ما يجري في جنوب الجزيرة ما بين المملكة واليمن الحوثية، هو إرهاب وإرهاق وإفقار لكل الطاقات والثروات والبرامج التنموية، ويجب العمل على وقفها. إن تداعيات هذه الحرب العمياء التي تستهلك قدرات البلدين قد تكون أخطر مما يجري عملياً على الأرض. ويجب أن أذكر أن اجتماعاً أمنياً على مستوى عالٍ من المشاركين من قادة جيوش السنتكوم، عُقد قبل أسابيع قليلة في فيسبادن، وهي قاعدة عسكرية ألمانية، وكان رئيس أركان جيش الإحتلال من أهم المشاركين وأبرز المتحدثين في ذلك الاجتماع. وكان محور كلامه حول الحرب الجارية في جنوب الجزيرة العربية، ما يُؤشر على نحوٍ واضح، إلى أن إسرائيل تلعب دوراً مهماً في تعميق النزاع السعودي- اليمني ولأسباب خبيثة لا تخفى على أحد، حتى إن كان دورها يأتي على نحوٍ غير معلن وغير مباشر، ذلك أن أساليب الحرب تنسجم مع ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة.

إن قصف المطارات المتبادل، وهي أهداف مدنيّة، غير جائز قانوناً، وغير جائز قومياً، ذلك أن المسافرين ذهاباً وإياباً هم مدنيون ولا ينخرطون في القتال، ما يعني أنه لا يجوز استهدافهم طبقاً لقواعد القتال ومبادئ اتفاقيات جنيف. فضلاً عن أن المسافرين هم في غالبيتهم العظمى من العرب، سواء كانوا من مواطني البلدين أو من العرب العاملين فيهما، ما يجعل فعل قصف المطارات مناقضاً للأخلاق الوطنية. وأغلب ما يراودني أن قصف المطارات هو أقرب لقصف إسرائيل لمستشفيات غزة ومدارسها.

إن استهداف منشآت أرامكو، وهي مصدر مهم للطاقة عالمياً، ومصدر الدخل الرئيس للمملكة، عمل غير مقبول قانوناً وسلوكاً، ذلك أن استهداف منشآت مدنية، كما المطارات، محرم دولياً، فضلاً عن أن ذلك هو استهداف للثروة الأساس للمملكة، وما تقدمه من معونات ومساعدات للدول النامية، وتقدم فرص عمل لآلاف العرب العاملين فيها. ونعلم أن أرامكو، منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي عصب الإقتصاد السعودي، ومصدر الدخل لآلاف المدنيين، وبالتالي فإن استهدافها هو تهديد لحياة عائلات مدنيّة ومصدر رزقها، مما لا يجوز التطاول عليها. ثم إن قطاعات واسعة في البلدين ـ كما في غزة – تخضع للحصار وهو محرّم قانوناً، إذ أنه يشكل عقوبة جماعية وهي من الكبائر في أدبيات الحروب. ونذكر أنه حين فرضت قوى مليون الإمبريالية الحصار على العراق، ذهب أكثر من مليون ونصف عراقي ضحية له، وكان الأطفال يشكلون ثلث هذا الرقم تقريباً. إن الذي دفع ثمن الحصار هم أهلنا من شعب العراق من المدنيين، ولم تتأثر القيادات العراقية من آثار ذلك الحصار.

وتتكرر التجربة حالياً في إيران، حيث الحصار الخانق قد استباح العملة الإيرانية التي تدهورت قيمتها لدرجة مرعبة، وأثّر على الحالة الصحية والغذائية لملايين الناس من المدنيين في إيران، الذين أصبحوا غير قادرين على شراء احتياجاتهم. وبغض النظر عن الموقف من السياسة الإيرانية، فإن الناس العاديين هم الذين يدفعون الثمن يومياً وهم مناط الحماية القانونية. وإذا نظرنا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، نجد أن إسرائيل تمارس حصار غزة منذ ما يقارب العقدين، ومنذ طوفان الأقصى أصبح الحصار أكثر خنقاً وإجراماً، ونذكر إعلان وزير الحرب الإسرائيلي جالانت، الذي تعهد في ردّه على الطوفان أن لا ماء ولا كهرباء ولا محروقات ولا دواء لأهالي غزة جميعاً. وبالتالي أصبح متهماً وملاحقاً من العدالة الدولية. وما زال أهلنا في غزة يعانون أشدّ المعاناة بسبب هذا الخنق الإسرائيلي. ونذكر إعلان برنامج الغذاء العالمي مؤخراً الذي ورد فيه أن حوالي مليون شخص من أهالي الضفة الغربية يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وإنه سوف يتوقف عن تقديم الغذاء لحوالي نصف مليون إنسان في غزة.

إن مشاهد الحصار وآثاره على المدنيين، تجعلنا نناشد طرفيّ الصراع في جنوب الجزيرة بالابتعاد عن هذا الأسلوب الصهيوني في التجويع واستخدام الغذاء والماء والعلاج من أسلحة القتال، ذلك أن سلاح التجويع محرّم دولياً ويتنافى مع أخلاق المتحاربين، فضلاً عن أن المستهدفين في الجانبين هم أهلنا وهم مسؤوليتنا للدفاع عنهم.

وأخيراً، لا بدّ من ملاحظة غياب أي دور لجامعة الدول العربية والأمين العام الجديد، إذ ران عليهم صمت مريب. كيف لا تتحرك المنظمة العربية الوحيدة القادرة على لعب دور بنّاء في وقف نزيف الدم والطاقة والثروة العربية؟ هل تمت تصفية الجامعة ووضعت أصولها في مزاد علني؟ إننا لا نسمع أي تصريح حول هذه المحرقة في جنوب الجزيرة. أين الأمين العام الذي بشّر مجيئه بمولود ذكر سميناه «وعد»، حيث وعدنا بأنه سيكون مختلفاً!! لماذا هذا السكوت وكأن الدم العربي أصبح ليس ذي بال؟!

ثم جاء التحرّك المصري، ومصر أولى الدول بالتحرك باعتبارها الدولة الأم في العالم العربي، إلاّ أن هذا التحرك لم يأت على مقاس «بهيّة». ذلك أن مصر بما تمثله من وزن وتاريخ، نتوقع منها أن تلعب دور «الأم بهيّة» الذي يجمع ولا ينحاز. طبعاً لا شك في أنه من المهم الحفاظ على المملكة العربية السعودية، الاّ أن الحوثيين يمثلون ثلاثة أرباع شعب اليمن، مما يقتضي من مصر أن تحافظ على الطرفين وتلعب الدور البنّاء القادر على وقف النزيف والعمل على حلّ النزاع. أما الانحياز للمملكة، فإنه سوف يفسّر تحركاً ضد اليمن، وهنا يجب أن نتمثل تجربة العالم العربي حين قام نظام صدام حسين بغزو الكويت. تلك التجربة المريرة التي انقسم فيها العالم العربي انقساماً طولياً وعرضياً، وما زلنا ندفع ثمنه من طاقاتنا وقدراتنا وما زالت تؤثر على مواقفنا القومية الحالية. ونربأ بمصر، الدولة القائدة في العالم العربي، أن لا تقوم بدور «الأم» التي تجمع ولا تفرّق، وعليها مسؤولية الحفاظ على المملكة ومقدراتها، كما عليها مسؤولية الحفاظ على اليمن ومقدراته، ولا يمكن تجاهل ثلاثة أرباع شعب اليمن، بل إن الحكمة تقتضي أن يؤخذ ذلك في الاعتبار إذا أردنا الوصول إلى حلٍّ قومي يكون سنداً للعالم العربي وطرداً لكل عوامل الفرقة، وسدّاً لكل منافذ التغلغل الصهيوني والخبث الصهيوني.

مقالات ذات صلة