
متى يتوقف العدوان الإيراني على سوريا؟
د. فيصل القاسم
حرير- لم تستوعب طهران بعد أن سوريا التي دخلتها بالميليشيات والسلاح والمال لم تعد كما كانت. ففي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ومع سقوط نظام بشار الأسد وإنجاز التحرير التاريخي، انهار أحد أهم أعمدة المشروع الإيراني في المشرق العربي، وسقط معه رهان استراتيجي استثمرت فيه طهران سنوات طويلة من الدماء والأموال والنفوذ. لكن الأخطر أن سقوط المشروع العسكري لم ينهِ محاولات التأثير الإيراني في سوريا، بل فتح فصلاً جديداً من الصراع، عنوانه الحرب الإلكترونية، وسلاحه الحسابات الوهمية، وميادينه منصات التواصل الاجتماعي.
لم تعد المعركة محصورة في دمشق وحمص وحلب، بل امتدت إلى شاشات الهواتف، حيث تستطيع شبكات منظمة أن تنشر الشائعات، وتؤجج الكراهية، وتضخم الحوادث الطائفية، وتدفع السوريين إلى الشك بعضهم ببعض. والغاية المحتملة من هذا النشاط ليست استعادة شعبية إيران بين السوريين، بل إضعاف ثقتهم بمستقبل بلدهم، وتحويل التحرير من فرصة لبناء الدولة إلى صراع مفتوح بين مكونات المجتمع.
وليس الحديث عن هذه الحرب مجرد انطباعات سياسية. ففي /ايارمايو 2025، كشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عن نحو خمسين ألف حساب على منصة إكس ظهرت عليها مؤشرات التنسيق في نشر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة المتعلقة بسوريا. وأظهر التحليل أن نحو ستين في المئة من المنشورات المرصودة جاءت من خارج الأراضي السورية، مع حضور بارز لإيران والعراق ولبنان واليمن. وهذه الأرقام تكشف حجم النشاط العابر للحدود الذي استهدف النقاش السوري.
والأكثر دلالة أن معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة، في تحليل نشر يوم 12 مايو/ايار 2025، رجحا وجود حملة تضليل منسقة تقودها إيران وحلفاؤها في محور المقاومة ضد الحكومة السورية، بهدف تأجيج التوترات الطائفية وإضعاف الاستقرار، بما قد يتيح لطهران استعادة موطئ قدم داخل سوريا.
وفي فبراير/شباط 2025، كشف تحقيق مشترك لمنصة «أريبيان فاكتس هَب» وموقع «درج» عن نشاط حسابات مرتبطة بإيران ساهمت في تضخيم العديد من الوسوم، بالتزامن مع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى دول خليجية والتوترات على الحدود السورية اللبنانية. وقد رصد التحقيق أنماطاً من إعادة النشر والتفاعل المنسق، بما يوضح كيف يمكن تحويل الوسوم السياسية إلى أدوات ضغط وتعبئة رقمية.
وفي مثال أكثر خطورة، وثق تحقيق للمنصة نفسها قيام حسابات مؤيدة لإيران بتداول مقطع مصور في يناير/كانون الثاني 2025، زُعم أنه يظهر إطلاق النار على أطفال علويين في الساحل السوري. لكن التحقق كشف أن الفيديو يعود إلى العراق عام 2019. وهنا تتجلى إحدى أخطر وسائل التضليل: استحضار مشاهد العنف القديمة، ونزعها من سياقها، ثم إعادة تقديمها باعتبارها جرائم جديدة، بما يثير الخوف والغضب ويهدد السلم الأهلي.
إن أخطر ما في هذا النوع من الحروب أنه لا يحتاج إلى اختراع جميع الوقائع. فقد تقع حادثة أمنية حقيقية، أو يُرتكب انتهاك يستحق المحاسبة، ثم تتدخل حسابات التضليل لتعميم المسؤولية على طائفة بأكملها، أو تصوير الجريمة باعتبارها بداية حرب أهلية لا مفر منها. وهكذا تتحول معاناة الضحايا إلى مادة للاستثمار السياسي، ويصبح الخوف وقوداً لصراع جديد.
لقد دعمت إيران نظام الأسد طوال سنوات الحرب، وساهمت قواتها والميليشيات الحليفة لها في تثبيت سلطته. واليوم، وبعد خسارة ذلك النفوذ، يصبح السؤال عن استخدام الأدوات الرقمية لتعويض الخسارة سؤالاً مشروعاً وملحاً.
والمطلوب من الدولة السورية ألا تكتفي بإدانة الحملات المشبوهة، بل أن تبني قدرات متخصصة في الأمن المعلوماتي، وتنشر نتائج التحقيقات بشفافية، وتطالب المنصات الرقمية بملاحقة الحسابات المنسقة. وحسب الإحصائيات التي حصلنا عليها من بعض المصادر، فإن حجم التضليل والهجوم الالكتروني على سوريا مرعب بكل المقاييس، فقد تم رصد مئات الألوف من الحسابات المسمومة الموجهة إيرانياً لزعزعة الوضع السوري الكترونياً. وفي لبنان وحده هناك أكثر من مئتي ألف حساب ومنصة على مواقع التواصل هدفها ضرب الاستقرار السوري عبر بث الإشاعات وتضخيم الأحداث وتشويه الوقائع والشخصيات، خاصة وأن العديد من المسؤولين الذين كانوا مرتبطين بإيران قبل سقوط النظام يعيشون وينشطون اليوم داخل لبنان. وهناك سماسرة وعملاء مرتبطون بحزب الله مازالوا يمولون ويدعمون جيوشاً الكترونية وصحافيين وصحافيات مختصات حصراً بتلويث الساحة السورية بالإشاعات والفبركات لضرب الوحدة الوطنية وإثارة النعرات وتشويه كل العاملين مع الدولة السورية الجديدة، أو من يتعاطف معها. وهناك الكثير من الأسماء القذرة التي أصبحت مكشوفة للقاصي والداني، وبات يعرفها معظم السوريين، ولا بد أن تتم ملاحقتها قضائياً عاجلاً أو آجلاً لكثرة الإساءات التي مارستها بحق السوريين. ويزداد عدد المحرضين المدعومين إيرانياً في العراق، حيث تم رصد أكثر من أربعمئة ألف حساب لا شغل لها في مواقع التواصل سوى التحريض وتشويه الدولة السورية الجديدة وبث كل ما يسيء للسوريين والعهد الجديد. والغريب في الأمر أن إيران وعصاباتها أكثر نشاطاً ضد سوريا حتى من إسرائيل. وقد لاحظنا أن الإيرانيين والإسرائيليين يعملون في بعض المناطق السورية جنباً إلى جنب في شراء الذمم ودعم العصابات الالكترونية المعادية لسوريا والسوريين. والمضحك أحياناً أن نفس العميل الذي كان بوقاً لإيران على مدى الأعوام الماضية أصبح اليوم يعمل لصالح إسرائيل ضد سوريا، وهو يمول كثيرين من المرتزقة والعصابات الإعلامية لدق الأسافين بين السوريين.
متى تدرك إيران أنها تخوض معركة فاشلة ككل معاركها السابقة في سوريا والمنطقة؟ لقد انتهى زمن اعتبار سوريا ممراً عسكرياً مفتوحاً للمشروع الإيراني. أما مستقبلها، فلا يجوز أن يصبح رهينة لحسابات وهمية، أو غرف تضليل، أو حملات تستثمر في الدم والخوف والانقسام.
فإيران التي خسرت نفوذها العسكري في سوريا لا ينبغي أن تجد في شقاق السوريين طريقاً لاستعادة ما فقدته. والمعركة الحاسمة اليوم ليست فقط لحماية حدود سوريا، بل لحماية وعي شعبها ووحدته وحقه في بناء دولة لا تتحكم بمصيرها عواصم الخارج.



