
مصر والسعودية… حسابات الدعم العسكري والأمن المشترك
إحسان الفقيه
حرير- في خطوة كادت أن تكون بعيدة عن التكهنات، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى عقد جلسة برلمانية طارئة، للحصول على تفويض بالتدخل العسكري لدعم المملكة العربية السعودية أمام الاعتداءات التي تهدد أمنها وأراضيها.
تشير المعطيات إلى أن الدعوة تجاوزت وصف التصريحات الدبلوماسية وتسجيل المواقف، إلى كونها استعدادا حاسما للتحرك الفعلي، بدليل السرعة القياسية التي اتسمت بها الاستجابة الداخلية، سواء من قبل مجلس الدفاع الوطني، الذي انعقد صباح أمس الأحد ووافق على إرسال القوات، أو جلسة البرلمان التي تنعقد خلال كتابة هذه السطور لبحث القرار، الذي من المرجح بشكل قوي موافقة الأعضاء عليه.
هذا الحدث يفتح بابا لتدفق تساؤلات متداخلة مترابطة بالغة الأهمية، من أبرزها تلك التي تتعلق بدوافع الطرفين المصري والسعودي والمصالح المرجوة من هذا التشارك العسكري.
وهو تساؤل طبيعي فالعلاقات بين الدول مبنية على تحقيق المصالح، وتزداد أهميته عند تعلقه بهذا التحول الكبير في السياسة المصرية في ظل ما تتسم به من التحفظ. وعلى المستوى الشخصي أرفض تفسير هذا التحول بأنه رغبة مصرية في تحريك المساعدات السعودية والدعم الاقتصادي، وأبرر رفضي هذا التفسير بأن القرار جد خطير ومآلاته مجهولة، وقد تكون كلفته شديدة على النظام المصري، وتهديد مستقبله، خاصة أن المنطقة آخذة في الاشتعال يوما بعد يوم، بما لا يستبعد معه تحول الأزمة إلى حرب إقليمية ذات أطراف متعددة. كما أن تورط الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في حرب اليمن حاضر في الذاكرة المصرية، بما ترتب عليه من خسائر فادحة للمصريين، أبرزها أنه كان أحد أهم أسباب نكسة 1967.
فيصعب القول إن النظام المصري يقدم على هذه المخاطرة الكبرى من أجل مجرد الحصول على الدعم السعودي.
بعيدا عن التفسيرات العاطفية، هناك حقيقة لا مناص من الإقرار بها، وهي أن الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من أمن السعودية والخليج بشكل عام، والتهديدات التي تتعرض لها المملكة يتعدى أثرها إلى أمن مصر، والتصعيد الممتد ضد السعودية، سواء من قبل الحوثيين أو إيران، يمكن أن يؤدي إلى خلق أوضاع جديدة خطيرة في المنطقة تضرب العمق العربي في الصميم. ولا يخفى كذلك أن هناك ارتباطا وثيقا بين إيرادات قناة السويس عصب الاقتصاد المصري بالأمن الملاحي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، ولذلك وجب التحرك المصري لمنع استمرار تردي الاقتصاد. كما تحتاج مصر إلى القيام بهذا الدور، لتعويض رصيدها المتراجع من التعاطي مع أزمات المنطقة، ولتعزيز دورها الإقليمي، وحتى لا يبقى الحديث عن دعم الخليج وصيانة أمنه حبيس التصريحات السياسية، وهو من شأنه أن يعزل مصر عن الاستفادة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع دول الخليج.
أما السعودية، فعلى الرغم من أنها تمتلك ترسانة أسلحة ضخمة، إلا أنه بالنظر إلى ترامي أطراف المملكة، واتساع مساحتها التي تتوزع فيها المنشآت النفطية والمطارات، فإنه سيكون من الصعب أن تتصدى للهجمات التي يشنها الحوثيون بالمسيرات والصواريخ الباليستية والانشطارية بشكل كامل. ولا يتعلق الأمر بقدرة الدفاعات السعودية بقدر ما هو متعلق بقدرة الصواريخ والمسيرات على اختراق الدفاعات، ليس في السعودية وحدها، فقد شاهدنا كيف عجزت منظومات الدفاع الإسرائيلية الهائلة عن التصدي الكامل للصواريخ والمسيرات الإيرانية. الأمر سيختلف حتما مع الوجود العسكري المصري بما تمتلكه مصر من منظومات دفاعية متطورة تعزز من قدرة المملكة على حماية أراضيها، كما أن الأسطول البحري المصري المتميز يمكن أن يلعب دورا حيويا في الشأن الدفاعي عن المملكة.
إضافة إلى ذلك، لا يستبعد حدوث اختراقات حدودية أو تفعيل خلايا نائمة داخل المملكة، قد تستهدف منشآت ومواقع حيوية، وفي هذا يمكن أن يكون الدعم المصري حاضرا في عمليات التأمين.
نعم هناك تعاون معلن لعدة دول في الشرق والغرب مع المملكة في الجانب المعلوماتي والاستخباراتي، لكن هذه الدول لن تورط نفسها في مواجهات مباشرة مع الاعتداءات الحوثية والإيرانية، ففي النهاية كل دولة تبحث عن مصالحها الخاصة. التشارك المصري السعودي في الدفاع عن حدود المملكة سيخفف الضغط على السعودية من قبل الأمريكيين والإسرائيليين لدفعها إلى التطبيع كثمن للدعم ضد الحوثيين.
ترامب أدار ظهره للالتزامات بحق الأمن السعودي والخليجي، لإجبار السعودية على التطبيع، ودولة الاحتلال تعرض الدعم العسكري على المملكة للغرض نفسه، لذلك مشاركة الدول العربية ذات الثقل العسكري في مهمة الدفاع عن الأراضي السعودية مخرج للأخيرة من حشرها في مسار التطبيع مع الكيان، وتخليها عن التمسك بحل الدولتين كشرط لتطبيع العلاقات مع الاحتلال. التشارك السعودي المصري في الدفاع عن أمن السعودية ليس مجرد مهمة دفاعية عن أرض المملكة، بل هو يتعلق بالأمن العربي وأمن المنطقة بشكل عام، لذلك أعتقد أنه خيار موفق من الطرفين يحقق لكل منهما مصالح جمة. ولا أعتقد أن الوجود العسكري المصري المحتمل في الأراضي السعودية لمواجهة التهديدات الحوثية والإيرانية فحسب، فالذي يظهر أنه استباق لتغيرات كبيرة منتظرة في المنطقة ودخول قوى أخرى متنفذة على الخط. وفي هذا المجال ينبغي الخلط في ما يتعلق بطبيعة وأطراف الصراع، فالسعودية لا تواجه اليمن الشقيق، وإنما تواجه ميليشيات مسلحة ذات أجندة إيرانية خرجت عن السياق الوطني وقفزت على الحكومة المعترف بها دوليا، ولا تمثل وحدها الشعب اليمني.
وأما مطالبة السعودية بالتخلي عن دعمها الحكومة الشرعية في اليمن كثمن لإيقاف الهجمات الحوثية، فهو ضرب من العبث، إذ أنه يعني تخلي المملكة عن أمنها القومي، الذي سوف يقع فريسة لتهديدات جماعة الحوثي المدعومة من إيران حال وصول هذه الميليشيات إلى رأس السلطة.



