
جريمة المطار… انفجار الدور بلاعبه
غسان شربل
حرير- لا تحتاج الجريمةُ المروّعةُ التي ارتُكبت بحقّ المسافرين في مطارِ الرياض إلى كثيرٍ من البحثِ والتدقيق. ولا إلى رفعِ البَصمات. منفّذُها كانَ قد هدَّد بارتكابِها. وهي ليست غريبةً عن قاموسِه. وأسلوبِه. وتاريخِه. وهو أصلاً ترسانةٌ تبحث عن فرصةِ اشتباكٍ لتبرّر وجودَها. ولإقناع مشغليها أنَّها تستحقُّ ما ينفق عليها. ترسانةٌ استجلبتِ الحروبَ المتعددة. والغاراتِ المتعددة. كأنَّها لا تعيش إلا وسطَ مياه الحروب. فهي تدركُ بغريزتِها أنَّ السلمَ عدوُّها الأول. وأنَّ الاستقرار لا يفردُ لها مكاناً. لقد أُنشئت لمحاربةِ السلم والاستقرار معاً.
جاءتِ الجريمةُ بعدما خسرتِ الميليشيا الحوثيةُ قدرتَها على الإقامة في مضيق باب المندب. كانَ من شأن التَّحكم في المضيق أن يضاعفَ قيمة هذه الميليشيا لدى رعاتها. كانت تأملُ أن توفرَ لإيرانَ تعويضاً عن الثقوب الواسعة التي أحدثها الجيشُ الأميركي في قرار طهرانَ إغلاقَ مضيق هرمز. لكنَّ الاندفاعَ إلى الإقليم من جانب الحوثي كان أشبهَ بالدور المفخخ الذي ينفجر بلاعبه.
نادراً ما يحدث في تاريخ الحروب أن يكون الهدفُ مطاراً مدنياً يغصُّ بالمسافرين. الإقدامُ على جريمة بهذا الحجم يعكس على الأغلب ذعرَ المرتكب. كانت الميليشيا تأمل في أن تفرضَ نفسها عبرَ الاستيلاء على باب المندب لاعباً لا بدَّ من الاعتراف بوجوده أو دوره. وربما كانت تأمل بنوع من الهدايا في مقابل التطمينات التي وفرتها لـ«الشيطان الأكبر» بأنَّها لن تستهدف سفنه. هبَّت الرياح في اتجاه آخر. ربما تكون الميليشيا قد شعرت بالذعر حين أطلقت الشرعية معركةَ «فجر اليمن»، وقدّمتها في صورة عملية أوسع من استعادة المضيق ومحيطه. رسمت للمعركة هدفاً يتمثل في السعي إلى زعزعة دويلة الحوثيين وتقليصها تمهيداً لإسقاطها.
عاملٌ آخر ربما يكون قد أقلقَ الحوثيين. إنَّه انكشاف دور الميليشيا أمام المنطقة والعالم. القوى التي كانت تدعو إلى التأني في مواجهة الميليشيا، وتبحث لها عن أسباب تخفيفية أدركت على نحو قاطع أنَّ الحوثيين أضاعوا متعمدين كلَّ فرص التسوية؛ لأنَّ وجودهم مرتبط تماماً بمهمتهم الإقليمية المرسومة في «البرنامج الإيراني» للإقليم.
رفع الحوثيون شعاراتٍ هادرة بينها «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل». أوضحت ممارساتُهم أنَّ هذه الشعارات لم تكن إلا غطاءً لمهمتهم الأصلية وهي استهداف السعودية. ولا غرابة في الأمر؛ فالسعودية شكَّلت في العقود الماضية سداً منيعاً أمام أهداف الانقلاب الذي حصل في اليمن، وأمام الانقلاب الكبير الذي قادته إيرانُ في الإقليم. ثقل السعودية السياسي والاقتصادي والإقليمي هو الذي حالَ دون سقوط المنطقة برمتها في قبضة الانقلاب الكبير الذي نجح في تحقيق اختراقات في بعض الخرائط، لكنَّه فشل في مصادرة قرار الخليج وقرار المنطقة.
طبيعة الدور السعودي مناقضةٌ لما يقوم عليه الانقلاب الواسع؛ فهي قوة استقرار تلتزم مبادئَ الشرعية الدولية، وتدعو إلى تسوية النزاعات عبر التفاوض. وهي قوة تتصرَّف بأعلى درجات المسؤولية في ما يتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي، وتدفق الطاقة وسلامة سلاسل التوريد.
لم تسلمِ السعودية لمطلقي الانقلاب الكبير بحق إعادة صياغة التوازن الإقليمي وفقاً لمصالحهم. عارضت برنامج تصديع الحكومات لنقل القرار إلى الميليشيات. تمسَّكت بدعم الشرعيات في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين. تعاطت إيجاباً مع كل جهد بذلته الحكوماتُ العراقية لترميم مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل أراضيها. تعاطت بالأسلوب نفسه مع محاولة الدولة اللبنانية استعادةَ قرار الحرب والسلم وحصر السلاح في يد السلطة الشرعية. وقد تضاعفت أهمية هذا الدور بعد سلسلة الهزات التي ضربت عدداً من الدول بعد زلزال السابع من أكتوبر (تشرين الأول).
لا مبالغة في قول إنَّ المنطقة تتَّجه نحو أسابيع حاسمة. ليس فقط بسبب الانتخابات المقررة في إسرائيل وأميركا، بل أيضاً بسبب غموض الوضع الحاضر في إيران. كانت قراءة الوضع الإيراني أسهلَ في عهد الخميني الذي كان ممسكاً بكل الخيوط. وكانت أسهلَ أيضاً في عهد المرشد علي خامنئي الذي أدار ببراعة لعبة «الفتوحات» في الإقليم، وتحكم في التوازن بين المؤسسات الإيرانية.
في العهد الثالث، وهو عهد مجتبى خامنئي، تبدو القراءة أصعبَ. لا يزال المرشد الحالي ممتنعاً عن الظهور؛ ما يعطي الانطباع بأنَّ الحرب قابلة للاندلاع في أي لحظة رغم الوساطات والوسطاء. هذا الوضع يطرح سؤالاً مهماً حول من يصنع القرار في إيرانَ الحالية. هل الكلمة الأخيرة للمرشد ومكتبه؟ أم أنَّ القرارَ حصيلة اللقاء بين إرادة المرشد وجنرالات «الحرس الثوري»؟
هل يشعر الجنرالات بأنَّ خسائرَ إيران الهائلة من الحصار البحري والخنق الاقتصادي تحتم البحث عن مخرج أم يرون أنَّ الجولة المقبلة من الحرب حتمية؟ وهل يعتقد الجنرالات أنَّ دور بزشكيان وعراقجي هو ملء الوقت بانتظار المواجهة؟ وهل يعتقدون أنَّ على «الأذرع» القيامَ بدورها في الجولة المقبلة إذا وقعت، بغضّ النظر عن الصعوبات التي تعيشها دولُها بفعل المغامرات السابقة؟
ذهبَ النظام الإيراني بعيداً في هزّ دعائم استقرار المنطقة. انتشر فيها وباتَ محتاجاً لمظلَّةٍ نووية لمنع الانقلاب على انقلابه. وفي هذه النقطة تحديداً، انفجر الدورُ بلاعبه، وهاجمت الطائراتُ الأميركية المنشآتِ النووية الإيرانية. كانت المبالغة في التخصيب مجازفةً محفوفة بالأخطار تماماً كاستيلاء الحوثي على «باب المندب»، وارتكاب جريمة مطار الرياض. هذا ما يحدث حين ينفجرُ الدور بلاعبه.



