نهاية عصر الأمن المستورد

سامح المحاريق

حرير- تأسست جامعة الدول العربية سنة 1945 بمشاركة سبع دول كانت مستقلة في ذلك الوقت، أو حصلت على استقلالها قبل فترة وجيزة، في الوقت الذي كانت بقية الدول العربية ترزح تحت أنماط متباينة من النفوذ الاستعماري، الذي أدى إلى تعطيل قدرتها على بناء الدولة الحديثة، ومن ذلك بناء الجيوش الوطنية والأجهزة الأمنية.

أصبحت هذه البنى الضرورية لنشأة الدولة وإدارتها من الأولويات الأساسية التي تتطلب استثمارات ضخمة لم تكن متوفرة في بيئات اقتصادية غير ناضجة، وليست بالمستوى الإنتاجي المطلوب، الأمر الذي أدى في مراحل كثيرة إلى النظر للأمن بما يتخطى دوره الوظيفي والتقليدي داخل الدولة، ليصبح مشروعا مفتوحا على ترتيبات أوسع في المنطقة ككل.

في البداية، طرحت فرنسا وبريطانيا، بوصفهما القوتين الاستعماريتين السابقتين، تصورات مختلفة لهذه الترتيبات لبعض الوقت، قبل أن تتحول المنطقة مع الحرب الباردة إلى واحدة من ساحات التنافس بين القوتين الصاعدتين في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، وتدخل الجيوش العربية نفسها في شبكة واسعة من التحالفات والتسليح والمساعدات العسكرية، التي جعلت سؤال الأمن العربي مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بقوة من خارج المنطقة. لم يكن الأمن مجانيا، فالحماية الضمنية التي ينتجها الاقتراب من أي من القطبين كانت تعني مواقف سياسية لا يمكن لبعض الدول العربية تحملها، ولذلك انخرطت مصر في حركة عدم الانحياز، ولحقت بها دول عربية أخرى بدرجات متفاوتة. إلا أن عدم الانحياز، بما وفره من مساحة سياسية ودبلوماسية للحركة خارج الاستقطاب الدولي، لم يكن يقدم بديلا أمنيا حقيقيا، لأن الشركاء في هذه الحركة لم تكن لديهم، في معظم الحالات، القدرة على تقديم ما تحتاجه الدول العربية من تسليح ومعونة عسكرية وضمانات أمنية، ولذلك بقي الأمن نفسه مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بأحد القطبين. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان على المشهد الأمني أن يتغير، ليبقى في معظمه داخل المظلة الأمريكية، ووفقا لحالة كل دولة على حدة، أو يصبح موضوعا لتحالفات أخرى هامشية ومرهقة، مثلما فعلت سوريا في علاقتها مع إيران وروسيا، وهي تحالفات لم تكن قادرة على إنتاج منظومة أمنية متكاملة، نظرا للظروف التي سادت في العالم والانتشاء الأمريكي بالسيادة على الفعل الجيوسياسي في التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما بقي يمنح انطباعا بأن الأوراق كلها أصبحت بحوزة الأمريكيين.

أحدث غزو العراق للكويت سنة 1990 تحولا نوعيا في الحضور الأمريكي في منطقة الخليج العربي، فلم يعد الأمر متعلقا بالنفوذ والتحالفات والتسهيلات العسكرية، وإنما بوجود عسكري أمريكي مباشر وواسع، وفي الخلفية كانت العواصم الخليجية تحمل مشاعر سلبية تجاه دول عربية، لم تتخذ موقفا واضحا ومرتفع النبرة في مواجهة مغامرة صدام حسين. كان الأمريكيون في ذلك الوقت يقدمون سياساتهم من خلال مقولات القانون الدولي، ويضعون أهدافهم الاستراتيجية داخل خطاب أخلاقي، كما تبدى ذلك في تدخل حلف شمال الأطلسي في يوغسلافيا، الذي قدم بوصفه تدخلا لوقف كارثة إنسانية، حتى لو بقيت مشروعيته القانونية نفسها موضع جدل، حيث أتى القصف خارج منظومة مجلس الأمن الدولي. في عالم التسعينيات كانت الولايات المتحدة تمتلك القوة وإلى جانبها القدرة على تعريف أسباب استخدامها وتقديم نفسها على أنها الدولة التي تحمي النظام الدولي، ولم يكن هناك لاعب حقيقي يمكن أن يزاحم نفوذها. بقيت هذه الفرضيات قائمة إلى فترة قريبة شهدت المنظومة الخليجية أثناءها أحداثا مختلفة، فتحت الطريق أمام دول مختلفة في الإقليم لإظهار طموحاتها في نفوذ أوسع. وفي الوقت نفسه، لم تتمكن الولايات المتحدة من المحافظة على الرداء الأخلاقي الذي استخدمته لتبرير تدخلها في منطقة أو أخرى من العالم، وجاءت العدوانية الإسرائيلية لتضع أي خطاب أخلاقي أمريكي أمام اختبارات مكلفة، لم تكن واشنطن تخرج منها وهي ما تزال قادرة على إقناع أي طرف بالمبادئ التي اعتمدت عليها في العصر الوجيز لوعود العولمة، الذي انطلق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قبل أن تجد أمامها خريطة واسعة ومرتبكة من المشكلات والأزمات على امتداد العالم.

الخطاب الأمريكي الذي تحدث فيه الرئيس دونالد ترامب عن التكلفة التي يجب أن تدفع مقدما، وأعاد تعريف التحالف بما يعني أن الحماية نفسها لها ثمن، واجهته دول الخليج من طرفها بتعزيز الاستثمارات في الولايات المتحدة، وبأرقام كانت تخدم ترامب وخطابه السياسي الداخلي بأكثر مما كانت تعبر عن تدفق حقيقي وفوري للأموال في الاقتصاد الأمريكي. ولكن الرئيس الذي كثيرا ما تباهى بقدرته على فرض إرادته والدخول في مغامرات واسعة وجريئة، مثلما حدث في فنزويلا قبل فترة قصيرة، وجد نفسه غير قادر على تحريك البنية التحتية للوجود الأمريكي في المنطقة بالسهولة نفسها، فضلا عن اتخاذ القرارات المناسبة بين التصعيد والتهدئة، ليدخل في حالة متأرجحة ومرهقة ضاعفت المخاوف الخليجية، ووضعتها من جديد أمام السؤال المتعلق بالرهان المنعقد على الأمن المستورد.

في الوقت الذي بدأت فيه إسرائيل تنظر بقلق إلى صعود قوى أخرى في الإقليم، خاصة تركيا، مع افتراضها أنها تمكنت من إضعاف إيران وتقليص حجم التهديدات التي تمثلها. وكانت تركيا وباكستان في المقدمة، بتوقيعهما مؤخرا مع السعودية اتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك، مع بقاء دول مثل مصر والأردن في الخلفية، على أساس ما هو معلوم من الدين بالضرورة من مواقفهما إلى جانب المنظومة الخليجية بشكل عام، ومن السعودية بوصفها الدولة الأكبر في الخليج بصورة خاصة.

مع ذلك، يبدو الحديث عن هذه التدابير بوصفها الحل الأمني المستدام متفائلا إلى حد بعيد، فتركة الأزمات التي أصبحت تحاوط الخليج تتصاعد، وإلى جانب الجبهة الإيرانية توجد الآن حالة معقدة في اليمن، وأخرى في السودان على الجانب الآخر من البحر الأحمر، وتبقى سوريا والعراق مرشحتين لتفاعلات يمكن أن تحمل أبعادا إقليمية، وتهدد البدائل التي يجدها الخليج بعد إغلاق مضيق هرمز وتهديد باب المندب، بالإضافة إلى الأعباء الأمنية المرتبطة بأي أوضاع مشتعلة في البلدين. قبل ذلك كله، يأتي الطموح التوسعي من جانب إسرائيل، وهو ما ترفضه الشعوب الخليجية، ويمكن أن يمثل إحراجا متواصلا لعوامل الاستقرار القائمة داخل المجتمعات الخليجية، لأن وجود قناعة بالسلام وفقا لتصورات المبادرة العربية، التي كانت الدول الخليجية فاعلا مؤثرا داخلها، أمر مختلف عن القبول بهيمنة إسرائيلية تتجاوز الجميع وتتوسع في عدوانيتها، خاصة أن الانفلات الإسرائيلي يفتح المنطقة كلها على احتمالات لا يمكن للخليج أن يعتبر نفسه بعيدا عنها. يبدو أن الأمن المستورد أنتج مشكلاته الخاصة التي تحولت بدورها إلى أزمات، مع استهداف القواعد الأمريكية من قبل الإيرانيين، واعتبار وجودها ذريعة لطهران لقصف الدول الخليجية، في الوقت الذي لا يبدو فيه الأمريكيون على استعداد لخوض حرب مفتوحة من أجل الخليج، بعد أن بدأوا حربهم على إيران من غير موافقة واضحة، أو سبب مباشر لدول الخليج، وبالتوافق إلى حد بعيد مع الرؤية والمصالح الإسرائيلية.

المشكلة الجذرية في الخليج تتمثل في محدودية الكتلة السكانية، والقدرة على بناء جيوش كثيفة مماثلة لما تمتلكه مصر وتركيا وباكستان، ولا يبدو الحل الممكن بعيدا عن إطار إحياء ذلك الكيان المتعب والمرهق والمحمل بذاكرة الإخفاق المتمثل في الجامعة العربية، التي تبقى، على الرغم من ذلك، وفي حالة تجاوز الذاكرة المريرة لمحطات فشلها الكثيرة، الإطار الأوسع المتاح من أجل بناء منظومة أمنية بديلة ومستدامة. كم يبدو هذا طريقا صعبا في واقع عربي لم يعد يمتلك إطارا قوميا واضحا، ولكنه يبدو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخرج الخليج من مأزق الأمن المستورد في هذه المرحلة. وكما تفاقمت المشكلة داخل الجامعة العربية في 1990، فإن الحل لن يأتي إلا بتدارك تلك اللحظة بأثر رجعي، وداخل إجماع حقيقي يشمل ضمانات متبادلة، وتقديرا مختلفا للتهديدات والمخاطر التي انفلتت لتشمل الجميع بعد الربيع العربي.

مقالات ذات صلة